تشكيل الشرق الأوسط

تشكيل الشرق الأوسط!

المغرب اليوم -

تشكيل الشرق الأوسط

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

مفهومان مترابطان بزغا من إسرائيل خلال الشهور الماضية هما «إعادة تشكيل الشرق الأوسط»، وإقامة «إسرائيل الكبرى». النطق جاء من رئيس الوزراء «بنيامين نتنياهو» مباشرة وجرى العزف عليهما منذ ذلك الحين منه ومن أعضاء حكومته ومن جوقة كاملة من الكتاب داخل وخارج إسرائيل. مثل هذه الإعلانات ليست للدعاية أو الضغط، هى أهداف استراتيجية التى تعنى حشدا هائلا للإمكانيات والقدرات التى تحققها عبر فترة أو فترات زمنية؛ المهم أنه لا يوجد فيها لا تراجع ولا نكوص. إنشاء دولة إسرائيل ذاتها قامت على مفهوم «الدولة اليهودية» الذى قدمه هرتزل فى مؤتمر بازل 1897؛ وبعدها جاءت الدولة بعد نصف قرن. فى المعارك الحالية سواء فى غزة أو فى الضفة الغربية توجد إشارات كثيرة على إعداد مبكر للحرب والاستيطان واستغلال ظروف حتى تصبح ملائمة لتحويل مفهوم إلى واقع. الصورة الصغرى ظهرت فى معركة «البيجر» التى أطاحت فيها إسرائيل بألفى قيادة من حزب الله اللبنانى والتى جرى الإعداد لها عبر شهور وسنوات. المسألة الكبرى هى إعادة تشكيل الشرق الأوسط ليس من خلال السلام أو التطبيع أو الاتفاقات الإبراهيمية وإنما من خلال قيادة الإقليم كله بعد تقليم كل الأظافر التى تعوق هذه المهمة؛ مع الاستفادة القصوى من حماقتها.

زيارة «نتنياهو» إلى واشنطن الأخيرة لها علاقة وثيقة بالخلاص من إيران فى المنظومة الإقليمية كلها من خلال حرب جرى الإعداد لها بكل ما فيها من تفاصيل عسكرية واستخبارية. لا مكان هنا من وجهة النظر الإسرائيلية لمفاوضات نووية وإنما لجز الرأس الإيرانية بالإطاحة بنظام «الملالى» كله ليس فقط لإجهاض اللحظة «الجهادية» وإنما لخلق الردع لدى الأطراف الإقليمية الأخرى التى لم ولن تقبل القيادة الإسرائيلية المزعومة للإقليم. الزيارة جرت بينما الانتقال إلى النقطة الثانية من وثيقة «شرم الشيخ» للسلام متعثرة لأن إسرائيل تتلكأ فى الالتزام بالتزاماتها وتمد لها حماس اليد بجعل عملية نزع سلاحها غير سلسلة فى الطريق الغير ممكنة التى يعنى استمرار الحرب التى تشكل غطاء لابتلاع الضفة الغربية وهو ما مهدت له إسرائيل والاستيطان والعدوان المباشر والاحتجاج المباشر على اسم «الضفة الغربية» التى لا تعنى أكثر من مشهد جغرافى فى مقابل «يهودا والسامرة» المذكور فى الثقافة العبرية. إعادة تشكيل الإقليم الإسرائيلية هو منح «يهودية» الدولة عمقا ثقافيا؛ بينما يكون التمهيد والتركيز على تغيير العلاقات مع سوريا ولبنان ووضعها ليس فقط فى ثوب السلام وإنما فى غلالة التبعية؛ وتجنيد الدروز فى الطريق وهم المنتشرون فى الإقليم الشامى.

الظروف للأسف مواتية للحركة الإسرائيلية؛ وعلى الجبهة الأمريكية فإن موقف الرئيس ترامب الرافض لضم الضفة الغربية وقطاع غزة من قبل إسرائيل لا يعنى المشقة مع إسرائيل، ولا حتى ابتغاء لجائزة نوبل حيث أعطته إسرائيل بديلا لها. استخدام القانون الأساسى للصراع العربى والفلسطينى - الإسرائيلى هو الأمر الواقع وتحقيق الحقائق على الأرض تم بمهارة شديدة حتى بعد أن فضت فى 7 أكتوبر 2023 حماس بكارة علاقاتها مع إسرائيل لتحقيق الانقسام فى الجبهة الفلسطينية ثم بعد ذلك إشعال الانقسام داخل غزة ثم داخل الضفة الغربية والآن تحقيق ما يكفى من العنف داخل كلاهما لكى يذهب الفلسطينيون إلى بلاد الله الواسعة. الحلقة الإسرائيلية دائما هى انتهاز الفرص التاريخية، وكان الفلسطينيون لديهم القدرة العميقة على الانقسام لعائلات ومدن وقبائل. العالم العربى فى عمومه فيه ما يكفى من الانقسامات العرقية والدينية والمذهبية ما يغرى التوجه الإسرائيلى نحو إعادة تشكيل الإقليم مغرية وواعدة.

نتنياهو وإسرائيل من ورائه شمروا عن سواعدهم لتغيير الحقائق على الأرض. الاستعانة بواشنطن للضغط على إسرائيل ضرورة لا بأس بها إذا كانت ستوقف الحرب مع إيران أو تفتح أبوابا للسلام فى المنطقة. ولكن إسرائيل من ناحيتها مستعدة دائما للمواجهة كما حدث فى حرب الاثنى عشر يوما فتكون شريكة وفاعلة ولديها القدرة على استغلال الزمن. الكرة الآن توجد فى الواقع العربى حيث آثار «الربيع العربى» لا تزال باقية فى شكل حروب محلية، وتوجهات انقسامية حتى بين الحلفاء بحكم الطبيعة الجغرافية والتاريخ كما جرى مؤخرا فى الأزمة اليمنية والأخرى السودانية. سوريا واليمن وليبيا تتأرجح داخل حروب أهلية بينما العراق لا تزال عاصية على الترتيبات السياسية التى وضعتها واشنطن فى سنوات الاحتلال. ولكن، ولحسن الحظ، أن هناك إدراكا كبير لمخاطر المرحلة من جانب مصر وشركائها العرب فى الخليج وشمال أفريقيا بحيث يمكن وقف الاستراتيجية الإسرائيلية عند حدها سواء كان ذلك بالحديث المباشر لإسرائيل وشعبها أو باستخدام مجلس السلام بقيادة ترامب لترجمة الموقف الإيجابى لترامب من الضفة والقطاع إلى واقع. إسرائيل لم تجد فى المجلس ما يناسب مفاهيمها المشار إليها، ومن ثم فإن جل أنشطتها سوف تكون فى اتجاه استغلال الزمن، ومنع وجود جبهة عربية وإسلامية لوقف التوغل الإسرائيلى فى الزمان والمكان. منع إسرائيل من تحقيق مآربها هى لحظة فارقة فى تاريخ المنطقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشكيل الشرق الأوسط تشكيل الشرق الأوسط



GMT 10:27 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

الصخب والعتم

GMT 10:19 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

GMT 10:17 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التعليم بزيادة سنة

GMT 10:12 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

معرض فيتور في إسبانيا

GMT 10:09 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

(خروج آمن)... دخول مشروع للسينما المصرية في برلين!!

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 07:39 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
المغرب اليوم - استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 07:50 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام
المغرب اليوم - التمر خيار الإفطار الأمثل لتعويض الجسم بعد الصيام
المغرب اليوم - ترمب يحث أوكرانيا على التفاوض سريعًا قبل جولة جنيف

GMT 15:03 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الأيام الأولى من الشهر

GMT 05:17 2019 السبت ,19 كانون الثاني / يناير

أبو ظبي تعرض مخطوطة تاريخية نادرة للقرآن الكريم

GMT 02:04 2019 الثلاثاء ,01 كانون الثاني / يناير

الأميركية كيلي بروك تكشّف عن سبب خسارة وزنها

GMT 10:11 2018 الخميس ,11 تشرين الأول / أكتوبر

تعرف على أفضل مناطق السياحة في كينيا لعشاق لمغامرة

GMT 23:39 2019 الثلاثاء ,23 إبريل / نيسان

جورج جيرو يتوقع استمرار انخفاض أسعار الذهب

GMT 10:53 2019 الثلاثاء ,16 إبريل / نيسان

اتحاد طنجة يفوز على بنمسيك في دوري الكرة النسوية

GMT 02:35 2016 الإثنين ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

ناصر القصبي يكشف عن سبب تركه "أراب غوت تالنت"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib