بقلم - إميل أمين
وقت ظهور هذه الكلمات للنور، تكون الحرب الإيرانيّة–الأميركيّة قد دخلتْ أسبوعها الثالث، وبدون أن تُظهِر إيران أن هناك بادرةَ أملٍ في تغيير مواقفها العدائيّة من دول الجوار التاريخيّ، الأمر الذي ستحصد نتائجَه ولا شكَّ في المدى الزمنيّ القريب، انطلاقًا من انتقام الجغرافيا، وثأر التاريخ.
الذين تابعوا الكلمة المريبة التي أذيعت قبل يومين، وقيل إنّها للمرشد الجديد، وهو أمرٌ تحوم من حوله الشكوكُ وتغلفه الشبهات، يقطع بأنّ إيران تراهن على الجواد الخاسر من جديد.
القراءة الأوّليّة لِمَا ورد في الرسالة التي أذيعت بدون صوت ولا صورة للمرشد مجتبي، تؤكّد على استمرار النوايا العدائيّة تجاه دول الخليج، بل أكثر من ذلك، تحاول فرض سيطرتها وسطوتها على القرار السياديّ لدول ويستفالية، وكأنّها تُمْلي عليهم، ما يجب أن يفعلوه، وما يتوجّب تجَنُّبه، الذي يسمحون بتواجده على أراضيهم، والذي لا ينبغي وجوده، في غطرسة فوقيّة إمبرياليّة لا تخطئها العين.
بدا واضحًا أنّ المرشد الجديد، يحمل نوازع من الثأر والكراهية، بما لا يفيد في تقويم المسار الإيراني المختلّ، بل يزيد من تعميق الأزمة.
الخطاب المشكوك فيه، يحمل ولا شكّ رسالةً أمنيّة، قبل أن تكون سياسية، وكأن الذين عملوا على تسويقه بهذا الشكل يقولون إنه حتى لو تم استهداف رأس القيادة الإيرانيّة، فإن دواليب الدولة ستظلّ تعمل، وهو ليس أوّل خطاب من نوعه في تاريخ الأمم والشعوب وقت الحرب.
يُلاحَظ في كلمة مجبتي، إن كانت كلمته بالفعل، أن هناك محاولةً للربط الوثيق بإرث الكراهية الذي خَلَّفه الخوميني، الرجل الذي حلم طويلًا بأن يرى راية الثورة الإيرانية ترفرف فوق العواصم العربية، وهو ما لا يقصر الملالي من بعده في العمل عليه والسعي نحوه، ما راكم إرث الخطايا المميتة لا العرضيّة، تجاه دول وشعوب المنطقة.
الأمر الثاني هو تمجيده لوالده، وكأنه يَعِد الإيرانيين بالمضيّ قدمًا لإنجاز ما لم يُنْجَز، ولم يغبْ البُعد الثأريّ من حديثه، ما يعني أن دروس أسبوعين من النار والدمار، لم يتم استيعابهما.
ثالثًا، بدا وكأنّ الرجل يراهن على الشعب الإيرانيّ، فمن خلال الإشادة بالإيرانيّين، حاول الالتفاف على الملايين من الإيرانيّين الرافضين للحكم الدوغمائيّ المغرق في غِيِّه عبر نحو خمسة عقود.
يَعِنّ لنا أن نتساءل: "على أيّ ميكانيزمات يراهن مجتبي خامنئي، ومن أين له هذه الثقة المغشوشة؟
المؤكّد أن فكرة الرهان الصاروخيّ، تبدو الورقة الأولى للمرشد الجديد، لا سِيّما بعد أن عمقت المخاوف الأمنيّة في عموم المنطقة، وبدا وكأنّ التاريخ يعيد نفسه، وأن هناك من يحاول محاكاة تجارب تاريخيّة لشعوبٍ أخرى في أزمنة الحرب.. ماذا نعني بهذا؟
باختصار غير مُخِلٍّ، هناك وجه شبه بين ما يفعله الإيرانيّون اليوم في جوارهم الإقليميّ، وما فعله الزعيمُ النازي أدولف هتلر خلال العام الأخير من الحرب العالمية الثانية، وبالتحديد عام 1944.
في أمسية خريفية من ذلك العام، وجد اللندنيّون أنفسهم تحت وقع ضربات صاروخيّة غير معهودة، فقد كان علماء الصواريخ الألمان قد طوَّروا أنواعًا أوّليّة من الصواريخ الباليستيّة، أشهرها وأخطرها في ذلك الوقت الصاروخ V-2 والذي أحدث وَقْعًا هائلًا على الأرض.
سعت الضربات الصاروخيّة الألمانيّة لكسر معنويّات المدنيّين في بريطانيا وبلجيكا وغيرهما من دول الحلفاء، فأطلقت قرابة ثلاثة آلاف صاروخ، أوقع آلاف الأشخاص.
لكنّ صواريخ هتلر لم تُجَنِّبه الهزيمة النكراء في نهاية الأمر، ولم تنكسر إرادة الحلفاء، بل عبر الدم والدموع، بحسب وعد تشرشل، انتهت الأسطورة التوتالياريّة النازيّة، وتكَبَّدت ألمانيا خسائر فادحة اقتصاديا وجيوسياسيًّا، فيما محاكم نورمبرج، عَلَّقت على أعواد المشانق العشرات من كبار قادة الفوهور، وانتهى أمره برصاصة في صدغه كما تقول الرواية المشهورة، ولم تُغْنِ عنه صواريخه شيئًا.
المرشد الجديد، صواريخه لا تفيد، وكراهيته أيضا لا تفيد، لا سِيَّما أنه يتعامى عن رؤية الواقع الإيرانيّ على الأرض، وحال الدولة من الداخل على الصعيدَيْن السياسيّ والعسكريّ.
سياسيًّا، لا أحدَ يجزم بحالة مجتبي بداية، وما إذا كانت إصابته قاتلة، أو في وعيه، وبخاصّة في ظلِّ ما يُرَوَّج عن أنه في غيبوبة.
من جهة ثانية، لم يَعُد سرًّا أن هناك بوادر لتفكيك مركزيّة الدولة وثنائيّتها، فعلى سبيل المثال، يعتذر بزشكيان اليوم للجوار، وبعد ساعات يتراجع تحت ضغط ذوي النفوذ، وبخاصّة من رجالات القضاء، والقابضين على جمر القرار من رجالات الحرس الثوريّ، ولم يَعُد سرًّا يُذاع أن بزشكيان مجرد رئيسٍ صوريٍّ.
عسكريًّا وخلال أسبوعين، تبدو خيارات طهران تتناقص، وبنيتها العسكرية تتهالك، حيث سماؤها وبرُّها وبحرها باتت فضاءات مُنتهَكة.
وبمزيدٍ من التفصيل، تبدو كبريات المدن الإيرانيّة فضاءً مستباحًا للطائرات الأميركيّة والإسرائيليّة، بينما أعماق الجبال حيث تختبئ مدن الصواريخ، تُدَكّ نهارًا وليلًا بقنابل الأعماق، من نوعيّة GBU المُحمَّلة جوًّا عبر طائراتB-1 LANCER تلك المقاتلة المعروفة بالوحش الأسطوريّ، والتي لا تُقهَر.
لم يَعُد لإيران أدنى قدرات من قوّات الدفاع الجويّ، عطفًا على أنّ غالبيّة أسطول الجيش الإيرانيّ قد تمّ إغراقه، وفيما الرهان على القوارب الصغيرة المستعمَلة في القرصنة عبر مياه الخليج، تبدو أهدافًا يسيرة للطيران الأميركيّ والإسرائيليّ.
أمضت طهران عقودًا طوالًا في تكريس مواردها من النفط والغاز لخدمة فكرة هيوليّة متمثّلة في برنامجٍ نوويٍّ منحول، وتحت غرضٍ متهافت يتعلّق بالحصول على الطاقة الكهربائيّة، في حين أنّ الحقيقة هي أنّ ما لديها يكفيها لتشغيل الصناعات والمُضِيّ في مسيرة تنمية صناعيّة هائلة، لكنها التقيّة التقليديّة التي تجيد الاختباء وراء الذرائع التي لا تنطلي على أحد في حاضرات أيّامنا.
ولعلّ الأمر الأكثر خطورة، والذي تجاهله المرشد في خطابه، إن كان خطابه حقًّا، هو الاختراق الداخليّ، والذي تجلَّى في السهولة واليسر اللتَيْن تَمَّ بهما اقتناص المرشد السابق خامنئي وكبار قادته، ومن قبل علماء البرنامج النوويّ، ومسؤولي الحرس الثوريّ، من قاسم سليماني، وحتّى الساعة، وإن كان ذلك يُدلِّل على شيء، فإنه يقودنا إلى القول باهتراء النسيج المجتمعيّ الإيرانيّ من الداخل، حيث بات الخرق يتّسع على الراتق.
إيران تعتقد بأنها قادرة على أن تتحدّى الإرادة الدوليّة، مرّةً سعيًا وراء حيازة السلاح النوويّ، ومرةً أخرى بإدخال العالم في أزمة طاقة قاهرة، من خلال تعريض ممرٍّ مائيّ عالميّ، يخضع لقوانين ومعاهدات دوليّة، تنسّق وتقرّر حركة الملاحة الدوليّة فيه، لخطرٍ كبير، ما يعيق تصدير ملايين براميل النفط إلى بقيّة دول العالم، وتحسب أنّ الأمر على هذا النحو يمكن أن يفيد في إطالة أمد الأزمة.
ولعلّ الخسارة الفادحة التي أسفرت عنها العمليّات العسكريّة خلال الأسبوعين المنصرمين، لا تتعلّق بالخسائر المادّيّة التي يمكن أن تُعَوَّض، رغم فداحتها.
ما خسره نظام الملالي هو ثقة الشعوب المجاورة، والتي لا بدَّ أنّها تتعايش معها بحكم جبريّة الجغرافيا، وسلطويّة التضاريس.
سيكون من شبه المستحيل التعايش مع نظامٍ هَدَّدَ بالقوّة واستخدمها ضدّ مدنيّين آمنين، ومنشآت مهمة لسلاسل الاقتصاد العالميّ، تمَّ إلحاق الأذى بها.
عمّا قريب سيجد أركانُ النظام الإيرانيّ الحاليّ أنفسَهم أمام محكمتين، محكمة التاريخ الأدبيّ،الذي سيصدر أحكامه القاطعة والتي لن تُمحَى من الأضابير، والمحاكم الدولية التي ستجبرها على دفع أكلاف ما ألحقته من خسائر مادّيّة.
الخلاصة : المرشد الجديد لا دالَّةَ له على قراءة التاريخ ولا يدرك مفهوم ثأر الجغرافيا.