«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

المغرب اليوم -

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير

مشاري الذايدي
بقلم - مشاري الذايدي

قال المعرّي قبل نحو ألف ومائة عام:

تعبٌ كُلّها الحياةُ فمَا

أعجبُ إلاّ مِن راغبٍ في ازديادِ

واليوم مع تفشّي النزعة الفردية، والسباق المحموم في سوق العمل والتنافس القاتل على البروز وإثبات الذات أو تسويقها، صارت تكلفة «تطوير الذات» عالية، وصار الفرد مادّة مشروع للتطوير والتحسين المستمر، وليس قطعة من كيان أكبر، ولمحة من لوحة أضخم، وجزءاً من سياق عام.

مع هذا المناخ تجذّرت صناعة ما يُعرف بالمدرّب الذاتي، أو «اللايف كوتشز»، وصارت هذه الصناعة غير منحصرة في مشكلة عابرة (أزمة زوجية وطلاق مثلاً) بل شرط من شروط تأهيل الفرد للارتقاء الوظيفي والحياتي بصفة عامة، وصارت الشركات بل حتى أندية كرة القدم تجلب ما يُعرف بالمطّور الذاتي... بالتالي صارت هي بدورها وظيفة و«بيزنس»! عن هذا قرأتُ تحقيقاً جميلاً لجوي سليم على منصّة «بي بي سي».

نقلت فيه عن عالمة الاجتماع الفرنسية المغربية إيفا إيلوز شرح هذا التحول ضمن ما تسميه «الرأسمالية العاطفية»، حيث تتداخل لغة الاقتصاد مع لغة المشاعر. بالنسبة لإيلوز في كتابها «السلع العاطفية» (2019)، ما يفعله خطاب التنمية الذاتية هو تحويل الشعور بالألم إلى «مشكلة إدارية».

الكل صار يعتمد هذا الأسلوب و«يؤمن» بهذه الطريقة، الطريقة هنا تعني أيضاً المعنى الصوفي المعروف... بل تحّول الوعّاظ الأصوليون اليوم - بدورهم - في السياق المسيحي إلى ما يشبه ذلك وصاروا «يتصرّفون كمديرين ومدرّبي تحفيز، يعلنون إنجيل الإنجاز غير المحدود والتحسين الدائم».

المشكلات القديمة المُعتادة ضمن «تكاليف الحياة» المعروفة مثل الشعور بالضيق من الحاجة أو غلبة فئة ما على المصالح، والضيق من ذلك، والعمل «الجماعي» على تغييره، كل هذه المُشكلات أعيد تصويرها على أنها مشكلة في إدارة الذات الفردية، وتحفيز العناصر الإيجابية الداخلية. فـ«خطاب تطوير الذات لا يكتفي بدعوة الفرد إلى التأمل في عواطفه، بل يدعوه إلى إدارتها وفق منطق التكلفة والمنفعة».

صار الفرد ناجحاً بمقدار تحويل ذاته إلى «مشروع ناجح»، وإن الغلط كل الغلط يبدأ من عدم تطوير الذات، ليس بغرض معرفة الذات لنفسها و«التواضع» ومعرفة أن ليس كل شيء نابعاً من إرادتك الفردية، بل أنت لك حدود في النهاية.

مشكلة هذه الفلسفة الجديدة، فلسفة «علم النفس الإيجابي» التي نبعت من أميركا في الأساس، كما جاء في التحقيق، هي أنها «تُدخل المشاعر في فضاء الحساب، ويُعاد تشكيل الذات بوصفها مشروعاً ينبغي تحسينه باستمرار».

سؤال بسيط: هل «العمل على الذات» يهدف إلى توسيع حدود الأنا باستمرار - وهذا مُتعب مهلكٌ - أم إلى تعلّم حدودها؟

المشكلة أن هذه الصناعة التي تجعل الإيجابية «عبادة» واجبة، تجعل كل القدرات الفردية سواسية وإن لم تصل لهذا المستوى المعياري، فأنت تعاني من نقص لم تكمله، بسبب خور عزيمتك وجهلك العاطفي... والمستفيد أرباب هذه الصناعة وشركات العلاقات والتدريب ومستشارو تطوير الذات وجيوش «اللايف كوتشز».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير «بيزنس» الإيجابية ومصلحة التطوير



GMT 13:01 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

السُّقوط الثَّاني

GMT 12:58 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع... لو أباحت بما لديها الطُلولُ!؟

GMT 12:26 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

أوروبا في عين أميركا المحافظة

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

واقعة ميت عاصم!

GMT 11:08 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

في انتظار الحرب والسلام؟!

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 07:39 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
المغرب اليوم - استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة
المغرب اليوم - ترمب يحث أوكرانيا على التفاوض سريعًا قبل جولة جنيف

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:08 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 26-9-2020

GMT 20:34 2016 الأحد ,17 إبريل / نيسان

15 نصيحة لتطويل الشعر بسرعة

GMT 17:35 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 18:18 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib