رحلة العملاق

رحلة العملاق!

المغرب اليوم -

رحلة العملاق

بقلم - زاهي حواس

هي واحدة من أغرب الرحلات في العالم قديماً وحديثاً بدأت من محجر الغرانيت الوردي بأسوان على بعد 860 كم من القاهرة وانتهت عند محطتها النهائية داخل المتحف المصري الكبير الذي تم افتتاحه في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. إنها رحلة التمثال العملاق للملك رمسيس الثاني المنحوت من الغرانيت ويزن أكثر من 83 طناً وقد نحت من حجر واحد من الغرانيت الوردي وارتفاعه نحو 11 متراً (36 قدماً). وتكمن غرابة تلك الرحلة في عمرها الذي تعدى 3275 سنة، حيث نُحِت التمثال في محجر الغرانيت بأسوان سنة 1250 قبل الميلاد قبل أن يُنقَل إلى معبد الملك رمسيس في ميت رهينة على بعد 25 كم من مدينة القاهرة.

وفي ميت رهينة استقر هذا التمثال العملاق شاهداً على عظمة بناة الحضارة الإنسانية الأولى في الشرق الأدنى القديم لأكثر من ثلاثة آلاف سنة. وقد أعيد اكتشاف التمثال بين حطام المعبد في نحو 1820 ميلادية بعد أن تعرَّض للسقوط نتيجة زلزال قوي غير مسجَّل التاريخ. ومنذ يوم اكتشافه أطلق عليه لقب «العملاق المنهار».

لكن هذا العملاق كان على موعد مع كتابة صفحة جديدة في التاريخ في نحو عام 1954 حينما بدأ التفكير في تطوير ميدان باب الحديد، والذي يمثل المنطقة المحيطة بمحطة القطارات الرئيسية المعروفة اختصاراً باسم محطة مصر.

وكان البحث عن عمل فني لتزيين الميدان. وبما أن الروح المسيطرة على العصر في ذلك الزمن كانت ترنو إلى استنهاض الروح المصرية القديمة، والتأكيد على الجذور المصرية الضاربة في عمق التاريخ؛ استقر الرأي على وضع تمثال فرعوني أو مسلة فرعونية في الميدان أمام محطة مصر للتأكيد على الجذور الفرعونية لمصر الحديثة في زمن الرئيس جمال عبد الناصر. وبالفعل تم اختيار التمثال العملاق الراقد وسط الحقول في ميت رهينة ونقله إلى الميدان في عام 1955.

منذ اليوم الأول لوصول تمثال رمسيس الثاني العملاق، سُمِّي الميدان كله بـ«ميدان رمسيس» فأصبح الميدان واحداً من أشهر ميادين مصر، بل وقارة أفريقيا كلها. وتقام في ذلك الوقت نافورة مياه جميلة كانت تضاء ليلاً، وكان المصريون والزائرون يذهبون للميدان لالتقاط الصور التذكارية مع الملك العظيم رمسيس الثاني.

ويمر أكثر من نصف قرن على وجود الملك في الميدان الذي شهد الكثير من التغيرات خلالها من إنشاء الجسور وازدياد الحارات المرورية وإقامة العمارات الشاهقة وتضاعف عدد السيارات المارة بالميدان، وأخيراً كانت الطامة الكبرى بإنشاء عدد من خطوط مترو الأنفاق المتقاطعة أسفل الميدان. أصبح الوضع غير مريح للملك، وأصبحت الاهتزازات القوية والمستمرة عند مرور قطارات المترو تهدد استقرار الملك، ولذلك كان القرار بنقل التمثال من ميدان رمسيس! ولكن إلى أين؟ هل يعود إلى ميت رهينة أم إلى ميدان جديد من ميادين المدن الجديدة التي تنشئها مصر كل عام لتواجه زيادة السكان؟ ولحسن الحظ أن مصر في ذلك الوقت (بداية الألفية الثالثة) كانت قد استقرت على إنشاء المتحف المصري الكبير، وبالتالي تم اتخاذ القرار بنقل التمثال إلى موقع المتحف الجديد ليكون مستعداً لوضعه داخل المتحف أثناء إنشائه. وبالفعل تم إسناد المهمة إلى كاتب هذه السطور، عندما كنت أميناً عاماً على آثار مصر. وقد عملت لأكثر من عام مع شركة «المقاولون العرب» ومهندسيها، وعلى رأسهم المهندس إبراهيم محلب، الذي كان يرأس «المقاولون العرب» قبل أن يتولى رئاسة وزراء مصر.

تم وضع منظومة عمل علمية من خلالها تم نقل التمثال العملاق من ميدان رمسيس إلى ميدان الرماية، موقع إنشاء المتحف المصري الكبير، واستمرت عملية النقل عشر ساعات كاملة ليستقر بعدها في بيته الجديد، مستقبلاً زائري المتحف من كل جنسيات الأرض، شاهداً على حضارة مصر التي لا تزال تبهر العالم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رحلة العملاق رحلة العملاق



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

الثقافة والإعلان

GMT 10:52 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

بدران وعبيدات.. القيادة السرية للإخوان المسلمين!

GMT 10:51 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

عبث الدروع التكريمية والشهادات التقديرية !

GMT 08:37 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

لا حرب ولا سلام

GMT 08:33 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

صنايعية مصر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ورق المومياوات!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

عاصفة إبستين!

بين القفطان والعباءة إطلالات رمضانية أنيقة مستوحاة من أحلام

دبي - المغرب اليوم

GMT 10:44 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

يسرا توضح سبب غيابها عن دراما رمضان
المغرب اليوم - يسرا توضح سبب غيابها عن دراما رمضان

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 18:57 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020

GMT 12:24 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الحمل السبت26-9-2020

GMT 18:29 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يوم مميز للنقاشات والاتصالات والأعمال

GMT 16:19 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

انتبه لمصالحك المهنية جيداً

GMT 15:46 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

يحمل هذا اليوم آفاقاً واسعة من الحب والأزدهار

GMT 07:49 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 15:40 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:03 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

استبعاد روسيا من مونديال قطر 2022 وأولمبياد طوكيو 2020
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib