التجارة الحرام

التجارة الحرام

المغرب اليوم -

التجارة الحرام

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

ليس من المتوقع أن تختفي تجارة الآثار المحرمة والمجرمة قانوناً وللأبد. وذلك على الرغم من تغليظ العقوبات وتشديد سلطات الجمارك، وامتناع عدد كبير من المتاحف عن شراء الآثار مجهولة المصدر أو المهربة! نحن نتحدّث عن سرقة الآثار وتهريبها من دولة المصدر إلى دولة البيع بوصفها ظاهرة عالمية تعاني منها الدول التي تذخر بالآثار، سواء في أفريقيا أو آسيا آو حتى أوروبا نفسها؛ حيث تعاني دول مثل اليونان وإيطاليا من سرقات الآثار وتهريبها. والسبب الرئيسي في كون اختفاء تلك التجارة المحرمة مستحيلاً عملياً هو أن الطلب عليها لا يزال موجوداً وبقوة، سواء من أثرياء ومحبي جمع التحف النادرة أو من بعض المتاحف ذات السمعة السيئة التي لا تجد غضاضة في الاتجار بالآثار بيعاً وشراءً.

إن أول سبل العلاج يأتي بالفهم لطبيعة تلك التجارة الحرام، والتي تبدأ بما يُعرف بـ«النباشين»، أي الذين يحفرون خلسة بحثاً عن الآثار، وهؤلاء يقومون ببيع ما يعثرون عليه إلى تاجر الآثار الذي يقوم بتهريبها إلى التاجر الدولي الذي إما يقوم بتصريفها إلى راغبي جمع التحف من زبائنه وإما بتزوير مستندات ملكية لعرضها في دور المزادات لكي يتم شراؤها في العلن وكأنها قطع أثرية نظيفة! تتخلل تلك الشبكة حلقات من المعاونين، سواء في مهام النقل أو التخزين أو التخليص من الجمارك. كذلك تُستغل الحقائب الدبلوماسية أحياناً في عمليات التهريب بالطبع من دون علم الدول صاحبة تلك الحقائب، وإنما بعض من معدومي الضمير من العاملين في سفاراتها وقنصلياتها.

عامل آخر مهم من عوامل استمرار تلك التجارة الحرام وهو أن القوانين الدولية مثل تلك التي وضعتها هيئات ومنظمات دولية كـ«اليونيسكو» لا تزال تعطي مساحة للمتاجرين في الآثار بالعمل وفق القول: بأن الدول صاحبة التراث المنهوب من حقها المطالبة باستعادة ما سرق وسلب منها بعد عام 1970؟! فما بال ما تمت سرقته في القرون الخالية؟! وكيف يمكن إثبات ما تم نهبه بعد عام 1970 مما تمت سرقته قبل ذلك؟ كذلك فإن قوانين بعض الدول، ولا سيما التي تستقبل الآثار المهربة على أراضيها، لا تمنع ولا تجرم تلك التجارة الحرام، خصوصاً أنها من الدول الناشئة التي لم يكن لها تاريخ أو حضارة قديمة تخشى عليها من النهب. أما الأمر الذي لا يدركه كثير من الناس، بل المنظمات الدولية وأيضاً الدول نفسها، أن عودة الآثار المنهوبة إلى دولها ليست نجاحاً تاماً! فهناك خسارة لا يمكن تعويضها، ولا يمكن إعادتها، تتمثل في الجهل بمكان العثور على الأثر المنهوب وظروف الكشف عنه والمحيط الذي وجد به، إضافة إلى الكم الكبير من المعلومات المهمة لكتابة التاريخ التي يحصل عليها الأثري عندما يتم العثور على الأثر من خلال حفائر علمية منظمة. تلك المعلومات التي تُساعد في كتابة شهادة ميلاد الأثر، وتفسر وظيفته، فقدت وللأبد، وبات كل ما لدينا مجرد عمل فني من زمن قديم.

التوعية بأضرار تلك التجارة الحرام مهمة جداً لكنها ليست الأداة الوحيدة لمنعها. مهم جداً العمل على تجفيف السوق، ومنع الطلب على الآثار المسروقة بتشديد العقوبات الرادعة على المشتري، سواء كان شخصاً أو هيئة، وجزء من العقوبة يكون بالإفصاح عن المشتري وليس التكتم عليه وحمايته. مشتري الآثار المسروقة هو مجرم في حق الإنسانية والتاريخ، مثله مثل «النباش» والتاجر والمهرب بل يزيد؛ لأن ماله هو ما يشجع كل هؤلاء على الاستمرار في تلك التجارة الحرام.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التجارة الحرام التجارة الحرام



GMT 17:00 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

ظاهرة «العوضي» وهشاشة العقل المصري

GMT 16:56 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 16:49 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 16:47 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 16:44 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 16:42 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

GMT 16:39 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

لندن ـــ بكين... لا انفكاك من ثقافة الشاي و«الزن»

GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم
المغرب اليوم - شريف منير يتحدث عن صعوبات تجسيد شخصية محمود عزت

GMT 18:11 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 13:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

الفتاة السعودية رهف القنون تتذوّق لحم الخنزير في كندا

GMT 10:08 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

"أولمبيك خريبكة " يتراجع عن التعاقد مع الإيفواري رونالد

GMT 07:59 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الكشف عن نقوش فرعونية قديمة بها رسالة من الإله "آتون"

GMT 22:57 2018 الخميس ,25 تشرين الأول / أكتوبر

حبوب وردية تدرأ عملية الشيخوخة عند البشرية

GMT 14:34 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

افتتاح معرض مختارات للفنان الدكتور عبد السلام عيد

GMT 05:00 2018 الثلاثاء ,12 حزيران / يونيو

هادي يمهد لزيارة إلى الإمارات في إطار دعم الشرعية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib