لبنان والسيناريوهات المحتملة

لبنان والسيناريوهات المحتملة

المغرب اليوم -

لبنان والسيناريوهات المحتملة

ناصيف حتّي
بقلم: الدكتور ناصيف حتّي*

يزداد التوتر في لبنان وتزداد معه السخونة السياسية غداة قرار الحكومة اللبنانية بحصرية السلاح في يد السلطة اللبنانية. يحصل ذلك في ظل مناخ إقليمي، وبالأخص في الجوار اللبناني المباشر، يزداد سخونة مع احتمالات تصعيد مفتوحة، كما يدل على ذلك الخطاب السياسي الإسرائيلي وبالطبع الأعمال العسكرية والقمعية على الأرض في غزة والضفة الغربية. الأمر الذي يترك تأثيراً، ولو غير مباشر، على الأوضاع في لبنان طالما أن لبنان كان دائماً أسيراً لجغرافيته السياسية.

قرار السلطة اللبنانية (رئاسة وحكومة) يشكل خطوة أساسية أو بالأحرى الخطوة الأساسية نحو إعادة تفعيل وتعزيز منطق الدولة على حساب منطق ما نسميه «سلطة الأمر الواقع» في ظل فيدرالية الطائفيات السياسية المتحكمة بالواقع السياسي في لبنان.

حصرية السلاح ومعه بالطبع حصرية قرار الحرب والسلم بيد السلطة اللبنانية يشكل الشرط الأساسي للعودة إلى تكريس منطق الدولة. المنطق الغائب أو المغيب منذ خمسة عقود ونصف العقد تقريباً من الزمن، ولو بدرجات وأشكال متعددة أحياناً، والذي صادرته أطراف مختلفة لبنانية وأخرى خارجية بشكل مباشر أو بواسطة حلفائها اللبنانيين في مراحل وأوقات مختلفة، وتحت عناوين متعددة. اتفاق الطائف، مستفيداً من دروس وعبر الحروب السابقة الذي جاء ليؤسس لمرحلة جديدة مختلفة في لبنان، أكد ضرورة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وللتذكير فإن السيادة ليست أمراً انتقائياً بالنسبة لدور الدولة في مجالات دون غيرها، وليست مسألة نسبية في الجغرافيا الوطنية تتشارك بها الدولة مع قوى أمر واقع أياً كان حجم تمثيل هذه القوى أو العناوين العقائدية والسياسية والاستراتيجية التي تحملها.

وللتذكير، ما قبل التحرير الذي تم في مايو (أيار) 2000، كانت المقاومة المسلحة أمراً طبيعياً وتحظى بشرعية ودعم وطني واسع وقوي. حرب 2006 التي قامت بها إسرائيل حرباً تدميرية؛ كانت رداً على عملية «الوعد الصادق» التي قامت على خطف الجنود الإسرائيليين من قِبَل «حزب الله» التي اعترف الحزب لاحقاً، عندما قال على لسان أمينه العام: «لو كنت أعلم بأن العملية جاءت بعدما تغيرت (قواعد اللعبة) أو قواعد الانخراط القتالي بعد التحرير عما كانت عليه من قبل. وبالتالي وفرت الحجة المطلوبة لإسرائيل للقيام بحربها التدميرية».

حرب الإسناد لـ«حماس» أو حرب وحدة الساحات التي بدأها الحزب في عام 2023، أياً كانت درجتها المحدودة في البداية، وفرت أيضاً الحجة لإسرائيل لحرب التدمير الكبيرة ضد لبنان: الحرب المستمرة من طرف إسرائيل والقابلة للتصعيد، بعد «اتفاق وقف الأعمال العدائية» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، من حيث قوة النيران أو التوسع بالأهداف التي تعتبرها إسرائيل «استراتيجية».

ورغم الموقف المبدئي والتضامني العربي والإنساني تجاه غزة، فلم يكن على لبنان أن يجر إلى هذه الحرب التي تخدم أهدافاً استراتيجية على المستوى الإقليمي، دفع ويدفع ثمنها الشعب اللبناني في «حروب الآخرين».

التأزم الحاصل والوضع المفتوح على احتمالات تصعيد مختلفة بعد رفض «حزب الله» الحاسم والحاد من حيث لغته لقرار الحكومة بحصرية السلاح، واستناده إلى موقف «الثنائي الشيعي» في هذا الخصوص، مع اختلاف اللهجة، وكذلك الرؤية بين الطرفين: «حزب الله» و«حركة أمل»، والتصعيد الكلامي الحامل لكل أنواع التهديدات من طرف الحزب، يضع لبنان أمام سيناريوهات يمكن إدراجها كما يلي:

أولاً: الانزلاق نحو حرب أهلية كما يتخوف البعض ويخوف البعض الآخر بها، وهو أمر مستبعد في تقديري، ولو حصلت بعض المناوشات على الأرض فيما لو استمر التصعيد على ما هو عليه، لأن لا أحد من الأطراف السياسية اللبنانية له مصلحة في ذلك، ولا القدرة على الدخول في نفق هذه الحرب التي لا يدرك أحد كيفية الخروج منها إذا ما حصلت، فهي بالتالي، وفي تقديري، مستبعدة، بناءً على دروس الماضي، خصوصاً أن الجميع سيكون خاسراً في هذه الحرب.

ثانياً: أزمة سياسية تقوم على استقالة وزراء «الثنائي الشيعي» من الحكومة، فتفقد هذه الأخيرة ميثاقيتها حسب رأي «الثنائي» أو تهتز ميثاقيتها كما يرى آخرون دون أن تخسر هذه الميثاقية حسب رأي آخر. لكن يخفض ذلك بالطبع بقوة من القدرة السياسية والعملية أيضاً على تنفيذ قرار حصرية السلاح. فيدخل البلد في أزمة مفتوحة تواكبها دون شك محاولات احتواء وتهدئة والبحث عن «تسوية ممكنة» تحفظ ماء الوجه للجميع للعودة إلى التفاوض حول تنفيذ قرار الحكومة الذي لا رجوع عنه، كما هو واضح من موقف الأخيرة والدعم الداخلي والخارجي الذي تحظى به.

ثالثاً: الدخول في حوار ضمن الحكومة وعبرها، يسميه أهل الحكم «تنفيذياً» فيما يسميه الثنائي الشيعي «مبدئياً» بتسهيل من «دول صديقة ومعنية» تقدم بعض الضمانات لمن يبحث عنها، لمنع حصول انفجار سياسي كبير، وندخل بذلك في لعبة التأجيل الحاملة أيضاً لتوترات قابلة للتصعيد والاحتواء والتخفيض في الطريق الصعب إلى الحل بشكل أو بآخر.

السيناريو الثاني أو الثالث قد يدفع في هذا السياق نحو البحث عن اتفاق «دوحة جديد» برعاية من أطراف خارجية بعضها قديم والآخر جديد، في هذا الدور تتبلور تفاهمات جديدة، ولو تغيرت أدوار ومواقع الأطراف اللبنانية المعنية، الأمر الذي قد يسهل العمل على تنفيذ قرار حصرية السلاح ضمن حزمة حلول متكاملة. وأرى أن على الدول الأجنبية الصديقة للبنان والمعنية بتوفير الاستقرار في لبنان، تلافياً للذهاب نحو العمل على بلورة اتفاق دوحة جديد لن يكون من السهل التوصل إليه مقارنة مع الماضي أو تلافياً لمزيد من التوتر في ظل انسداد الأفق نحو التفاهم، العمل على دفع إسرائيل، لما تملكه من قدرات وأوراق ضغط وتأثير في هذا الشأن، على استكمال انسحابها من النقاط الخمس والقبول بترسيم أو بتثبيت الحدود اللبنانية الإسرائيلية وفقاً لاتفاقية الهدنة لعام 1949، الأمر الذي يسهل عملية تنفيذ قرار حصرية السلاح.

خلاصة الأمر أن لبنان اليوم على مفترق طرق، والخوف يكمن في هدر مزيد من الوقت قبل التوصل إلى ولوج طريق العودة إلى الدولة من بوابة استعادتها لما هو أهم مسؤولياتها وسماتها، وهو امتلاك قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح. هدر مزيد من الوقت يزيد من تكلفة إعادة بناء دور الدولة في مهامها الوطنية المختلفة من السياسة إلى الاقتصاد والاجتماع، الذي هو في مصلحة جميع المكونات الوطنية في لبنان. ولكن الشرط الضروري لذلك يكمن في استعادة الدولة لدورها ولمسؤولياتها الوطنية الأساسية التي أشرنا إليها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان والسيناريوهات المحتملة لبنان والسيناريوهات المحتملة



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib