يا مال الشام

يا مال الشام!

المغرب اليوم -

يا مال الشام

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

العنوان هو مطلع أغنية من القدود الحلبية الجميلة، ألّفها الفنان خليل القباني، دمشقي الهوى والمنبت، بعد أن اضطر إلى اللجوء إلى مصر، معبراً فيها عن حنينه إلى الشام ورياضها، والبعض يرى أن الشام هي دمشق، والمقصود في هذا المقال هو الشام الكبرى، خاصة سوريا ولبنان. غنَّى الأغنية أكثر من مطرب في كل من سوريا ولبنان، وبقيت إلى اليوم مصدر طرب للعرب، وأيضاً مصدر حنين لأهل الشام.

سوريا ولبنان يعودان من جديد إلى التجديد، وكلا الشعبين، اللبناني والسوري، له قدرة على الابتكار والإنجاز والنجاح، إلا أن الإنجاز والنجاح يحتاجان إلى عاملين مهمين؛ الأول الاستقرار السياسي، والثاني الأمن الاجتماعي. في أي مكان يشعر فيه السوري أو اللبناني بالاستقرار والأمن، يبدع فيما قرر أن يقوم به من أعمال. أبدع الاثنان في دول الخليج خلال نصف القرن الماضي ببراعة، وأبدعا في أوروبا والولايات المتحدة وأستراليا، وفي غيرها من مدن المعمورة؛ حيث توفَّر هذان العاملان: الاستقرار والأمن، اللذان تم فقدهما في البلدين؛ حيث صُحر البلدان من هذين العاملين جرَّاء الاستبداد السياسي.

في الوقت الصعب للشعبين، افتقد أفرادهما الإبداع والمبادرة تحت حكم عصابة عائلية في سوريا تبنَّت شعارات زاعقة، أفقرَت السوريين، وطردت المبدعين، وقتلت الشباب في الزنازين المظلمة، فانتشر الفقر والفساد والتشبيح، وزاد الكذب والتدليس، فأصبحت البلاد التي كرمها الله بكثير من مصادر الثروة أرضاً يباباً، ودارهم خراباً، ونفوساً هجرتها كل قيم الحب والرحمة.

وفي لبنان، سُلِّط على شعبه حزب آيديولوجي، حامل للسلاح. أرهب الناس، فتدهور الاقتصاد، واضطر الناس للعيش على الفتات، وتهيأت له، بسبب الفقر والفاقة، فرص تجنيد الشباب لأخذهم إلى حروب في الداخل والجوار والبلدان البعيدة. فتراجعت الحرية، وتصاعدت الانتهازية السياسية، وأجَّرت دول إقليمية هذا الحزب لتحقيق مآربها، على قاعدة أنه كلما أفقر اللبنانيون، تصاعدت القدرة على تجنيد أبناء الفقراء لتنفيذ أجندة معينة.

في نهاية المطاف، أفلس المشروعان في البلدين، فوجدنا إسرائيل تحتل شريطاً حدودياً واسعاً في جنوب لبنان، ولم يعد زعماء الحزب قادرين على الصلاة في مدن وقرى الجنوب، فضلاً عن أن يصلوا في القدس، ووجدنا أن من كان يحكم سوريا لا أكثر من عصابة في شكل عائلة، مال الدولة هو مالها، والناس يحل قتلهم في أي وقت، وعندما اشتد الخطب هرب الجميع إلى أصقاع الدنيا. وتبيَّن للجميع تدريجياً كم من المال سرق، وكم من الأرواح زهقت.

وقد حدث التحول، وجاء الخلاص بسبب عدد من العوامل، على رأسها ذلك الخراب الذي حدث في المجتمع والنفوس، وعادت كلمات القباني تقول: «طال المطال يا حلوة تعالي!».

فهل تأتي الحلوة؟ الحلوة لن تأتي إلا بعمل جاد وحقيقي من رجال ونساء مخلصين لوطنهم، يفارقون الماضي بكل مفرداته وسردياته؛ حيث إن الخاسرين لن يستسلموا بسهولة. الأطماع الإقليمية لن تصرف النظر عن المناكفة، وسوف تحاول تخريب كل ما يُحاول أن يُبنى في كل من دمشق وبيروت، فضلاً عن تأصل ثقافة «الزعيق السياسي» و«المزايدة» لفترة طويلة، حتى كادت تكون الأصل بدلاً من الاستثناء.

إنها فترة انتقال صعبة وخطيرة في الشام الكبرى (سوريا ولبنان)، وسوف توضع العراقيل، ويُزيف الوعي للعودة إلى ماضي الأيام الخوالي، التي كانت تخرب الأوطان، وتدر على البعض الأموال.

الإمساك بمقود التغيير من خلال أجندة واضحة المعالم وشجاعة، تقوم بها القيادات الجديدة هو المأمول، على قاعدة القطع مع الماضي مهما كلّف من تضحيات، وبناء مستقبل جديد، يكون على رأسه أخلاقياته المصارحة لا المجاملة.

لقد ملَّ الشعب اللبناني وشقيقه السوري من عصر الآيديولوجيا الفارغة، والشعارات الجوفاء. فبناء وعي جديد هو مهمة القيادات الجديدة، وفي المكانين، بيروت ودمشق، قيادات واعية راهن عليها الجمهور الأوسع، وراهن عليها الجوار العربي من أجل أمن وسلامة الوطنين اللبناني والسوري، والانسجام مع محيطهما العربي، و«هجرة الزعرنة»، والتجارة بكل من المخدرات والشعارات، كلاهما مخدر للشعوب.

آخر الكلام: المرحلة الحالية في كل من لبنان وسوريا هي مرحلة «ترويض الوحش»، ويعتمد نجاحها على شطارة المروّض. فإن كان ضعيفاً، فإن الوحش قد تعود على أكل البشر!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

يا مال الشام يا مال الشام



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 01:51 2026 الثلاثاء ,19 أيار / مايو

كويكب بحجم الحوت الأزرق يمر بالقرب من الأرض
المغرب اليوم - كويكب بحجم الحوت الأزرق يمر بالقرب من الأرض

GMT 21:17 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

المكاسب المالية تسيطر عليك خلال هذا الشهر

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 18:03 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

تتخلص هذا اليوم من بعض القلق

GMT 09:35 2022 الثلاثاء ,25 تشرين الأول / أكتوبر

الفن وتهذيب السلوك والاخلاق

GMT 23:11 2021 الجمعة ,15 تشرين الأول / أكتوبر

أفضل الأماكن السياحية لقضاء شهر العسل في سويسرا

GMT 22:43 2014 الأربعاء ,22 كانون الثاني / يناير

تصويّرُ العروسيّن غيّر التقليّدي الأحدث والأفضل

GMT 07:55 2017 الأربعاء ,20 أيلول / سبتمبر

"فيات كرايسلر" تستدعي حوالي 500 ألف شاحنة حول العالم

GMT 19:20 2023 الجمعة ,10 آذار/ مارس

بورصة البيضاء تستهل التداول بارتفاع طفيف

GMT 23:31 2022 السبت ,02 إبريل / نيسان

بايدن يهنئ المسلمين بحلول رمضان بآية قرآنية

GMT 06:58 2021 الثلاثاء ,20 تموز / يوليو

مانهارت تجري تعديلات على لاند روفر Defender
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib