بقلم - أمينة خيري
خبر عابر، لكن صادم ومفجع. «سقوط مصعد من الطابق الرابع فيه عدد من لاعبى نادى بيراميدز من مواليد ٢٠٠٧». نحمد الله كثيرًا على نجاتهم، و«قدر الله وما شاء فعل»، و«قدر أخف من قدر»، إذ تراوحت الإصابات بين كسور وجروح وكدمات وحالات إغماء.
انتظرت أن يكون الخبر مذيلًا بتحقيق موسع حول حالة المصعد، والتحقيق فى دفاتر الصيانة، وتواريخها، وآخر مرة خضع فيها للمراجعة الفنية، و... أكاد سمع ضحكات هستيرية مصحوبة بعبارات ساخرة أو استنكارية أو كليهما.
«صيانة إيه بس؟ ما تصلى على النبى؟» «صيانة؟ هأو!» وغيرها، ولكن يظل هناك من يبذل جهدًا لتفسير المسألة استنادًا إلى أرض الواقع، لا أرض الدفاتر. يخبرنى أصدقاء للمرة المليون أن أسطورة الصيانة لا وجود لها على أرض الواقع إلا فى أضيق الحدود، وأن منظومة الصيانة ومعايير السلامة والأمان، سواء كثقافة، أو قدرة مادية، أو مفهوم اجتماعى، أو إلزام قانونى «فيها كلام».
بدءًا بالسائق الذى يقترض «طفاية حريق» قبل الذهاب لفحص السيارة الفنى، وربط حزام الأمان «وهو داخل على لجنة»، واعتناق مذهب السير العكسى وطالما لم ترتطم السيارات ببعضها أو يجرى دهس أحدهم «يبقى سو هوات؟!»، والتعامل مع «الموتوسيكلات» و«التروسيكلات» و«التكاتك» باعتبارها «طيارات ورق» يسمح لها بالتحليق فى أى مكان، مرورًا بآلاف، وربما ملايين العمال الذين يعملون دون أدنى قواعد سلامة، وانتهاء بمبدأ الصيانة الذى يتعامل معه كثيرون باعتباره تدخلًا فى مبدأ القضاء والقدر، أو رفاهية لا طاقة لنا بها، أو بندًا فى ذيل الأولويات، تمضى الحياة بنا على حافة الخطر.
يظل العنصر المادى لكلفة الصيانة يطل فارضًا نفسه، وهو أمر مهم، ولكن ماذا عن كلفة علاج المصابين بسبب تجاهل الصيانة ومعايير الأمان؟ وماذا عن تعويضات تصرف لأسر القتلى؟ وماذا عن الوجع النفسى الذى لا يقدر بمال لأسرهم؟
بالإضافة إلى الشق القانونى الملزم، هناك جانب ثقافى بالغ الخطورة. ثقافة السلامة والصيانة والوقاية من المخاطر والإبلاغ الاستباقى عن المخاطر فى العمليات والأعمال اليومية، واعتبار السلامة قيمة أساسية، لا سياسية، أو لمجرد إننا «داخلين على لجنة» أو «سنخضع لتفتيش»، تتطلب تربية وتنشئة منذ الصغر، وإدماجا فى منظومة التعليم، وقوانين تطبق لا تحال إلى الأدراج، ومتابعة ورقابة وعقابا للمقصر والقائمة معروفة.
وهنا، تجب الإشارة إلى أن إيماننا وروحانياتنا لا تتعارض مع اتباع قواعد الصيانة والسلامة. الحذر لا ينجى من القدر، ولكن الحذر يقلص هوامش الخطر. وبالورقة والقلم، الحذر، عبر اتباع قواعد السلامة والصيانة، «أرخص» فى الكلفة، لو قارناها بمصروفات العلاج والتعويضات والخسائر المادية الناجمة عن هذه الفوضى العارمة.
لو كان المشايخ الذين أفنوا علمهم وحياتهم، وحياة الآخرين، فى تلقين الناس دعاء الركوب، بما فى ذلك المصعد، ودخول السوق، وتحليل الزواج بالطفلة، وتبرير التحرش وغيرها، وجهوا جزءًا من هذا المجهود الضخم لتلقين الناس أهمية الصيانة ومعايير السلامة، لتحسنت حياتنا كثيرًا.