يشير استمرار الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة إلى الاستعداد أكثر من كونه إشارة، إذ يعد وصول حاملة الطائرات يو أس أس أبراهام لينكولن إلى مقربة من المياه الإيرانية خطوة مهمة.
كما شوهدت حاملة الطائرات الأخرى، يو إس إس جيرالد آر فورد، آخر مرة قرب مضيق جبل طارق، وهي تتجه شرقاً لدعم عمليات محتملة، فضلاً عن نقل إمدادات أخرى إلى المنطقة، مما يعزز الانطباع بأن واشنطن تُجهّز خيارات عسكرية متعددة المستويات.
يمكن أن تُستخدم هذه التحركات كورقة ضغط في الدبلوماسية، لكن عند النظر إليها مجتمعة، فإنها قد تشير أيضاً إلى أن المحادثات غير المباشرة بين طهران وواشنطن وصلت إلى طريق مسدود - الأمر الذي قد يتبعه عمل عسكري إذا لم يغير أي من الطرفين مواقفه.
ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً: لماذا يصر القادة الإيرانيون، علناً على الأقل، على التحدي في مواجهة أقوى جيش في العالم وأقوى حليف إقليمي له في الشرق الأوسط؟
ويكمن الجواب في الشروط التي وضعتها واشنطن للمحادثات.
الشروط الأمريكية تعتبر بمثابة استسلام
من وجهة نظر طهران، لا ترقى هذه المطالب إلى مستوى التفاوض بل إلى مستوى الاستسلام.
فهي تتضمن إنهاء تخصيب اليورانيوم، وتقليص مدى الصواريخ الباليستية حتى لا تشكل تهديداً لإسرائيل، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، إضافة إلى ما ذكره وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، تغيير معاملة الجمهورية الإسلامية لمواطنيها.
وبالنسبة للقيادة الإيرانية، فإن هذه ليست سياسات ثانوية، بل تشكل جوهر ما تعتبره بنيتها الأمنية.
ففي ظل غياب حلفاء دوليين أقوياء، أمضت طهران عقوداً في بناء ما تسميه "محور المقاومة" وهو عبارة عن شبكة من الجماعات المسلحة المتحالفة، تهدف إلى إبقاء المواجهة بعيدة عن حدود إيران، وتحويل الضغط نحو إسرائيل.
قُدّم برنامج طهران للصواريخ الباليستية كبديل عن سلاح الجو القديم والوصول المحدود إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة.
في حين، يُنظر على نطاق واسع إلى البرنامج النووي، الذي يُوصف رسمياً بأنه سلمي، على أنه يحمل قيمة الردع.
وحتى بدون تحويله إلى سلاح، فإن إتقان دورة التخصيب يُنشئ ما يُسميه الخبراء الاستراتيجيون "قدرة العتبة" التي تتضمن بنية تحتية لا تتطلب سوى قرار سياسي للانتقال إلى الاستخدام العسكري. وتُعدّ هذه القدرة الكامنة بحد ذاتها بمثابة ورقة ضغط.
وترى طهران أن تجريدها من هذه العناصر من شأنه أن يفكك أساسات قدرتها على الردع.
مخاطر تواجه المرشد الأعلى
وبالنسبة للمرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، فإن قبول مثل هذه الشروط قد يبدو أكثر خطورة من المجازفة بخوض حرب محدودة مع الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب. فالمواجهة العسكرية، مهما كانت تكلفتها، قد تُعتبر قابلة للتحمل، بينما التراجع الاستراتيجي الكامل قد لا يكون كذلك.
ومع ذلك، فإن المخاطر الكامنة في هذه الحسابات، عميقة، ولا تقتصرعلى إيران فقط.
وقد تستهدف أي حملة أمريكية القيادة العليا في مرحلتها الأولى. فإذا قُتل خامنئي، فلن ينهي ذلك حكماً دام أكثر من ثلاثة عقود فحسب، بل قد يزعزع عملية الخلافة في لحظة هشة.
كما أن الضربات التي تستهدف الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية الأخرى قد تضعف الجهاز الذي أعاد مؤخراً فرض سيطرته، بعد واحدة من أكثر حملات القمع دموية وعنفاً في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
ولا يزال المتظاهرون الذين ملأوا الشوارع في الأسابيع الأخيرة - ولم ينسحبوا إلا تحت وطأة القوة الساحقة - يشعرون باستياء شديد. وقد تؤدي ضربة مفاجئة لجهاز الدولة القمعي إلى تغيير التوازن الداخلي بطرق غير متوقعة.
قد تفترض طهران أن أهداف واشنطن ستقتصر على إضعاف القدرات النووية والصاروخية، لكن الحروب نادراً ما تسير وفقاً لافتراضات أولية. إذ قد يؤدي سوء التقدير بشأن الأهداف أو المدة أو التداعيات السياسية إلى توسع نطاق الصراع بسرعة.
وتُضيف الضغوط الاقتصادية طبقة أخرى من المخاطر، فالاقتصاد الإيراني، المُثقل بالعقوبات والتضخم وتراجع القدرة الشرائية، سيواجه صعوبة في استيعاب المزيد من الصدمات. كما أن أي خلل في صادرات النفط أو تضرر في البنية التحتية سيفاقم من حدة الغضب الشعبي الذي تم كبته بدلاً من حله.
وفي هذا السياق، تخدم المواجهة أهدافاً متعددة، فهي تشير إلى العزيمة خارجياً وتظهر القوة داخلياً، لكنها تضيّق مجال التسوية.
مخاطر تواجه واشنطن
في المقابل، فالمخاطر التي تواجهها واشنطن ليست أقل واقعية.
نظرياً، يتمتع الجيش الأمريكي بالقدرة على تحقيق أهداف القائد الأعلى للقوات المسلحة إذا تصاعدت التوترات، لكن الحروب لا تُخاض على الورق، بل تتشكل نتيجة سوء التقدير والتصعيد والعواقب غير المقصودة.
ترامب يتحدث خلال اجتماع مجلس السلام في واشنطن العاصمة في 19 فبراير/شباط 2026. وهو يرفع يده اليمنى أثناء حديثه عبر الميكروفون، والعلم الأمريكي خلفه.
كشفت المواجهة الأخيرة التي استمرت 12 يوماً مع إسرائيل عن مواطن ضعف في هيكل القيادة والبنية التحتية العسكرية الإيرانية. كما قدمت دروساً في التكيف وكيفية استيعاب الضربات وإعادة ضبط الوضع والرد تحت الضغط.
والمواجهة الأوسع نطاقاً قد تؤدي إلى نتائج لا ينوي أي من الطرفين تحقيقها، إذ أن ضعف السلطة المركزية في طهران لن يترجم تلقائياً إلى استقرار أو توافق مع المصالح الغربية.
ويمكن أن تؤدي الفراغات في السلطة إلى ظهور مراكز نفوذ جديدة أو مجزأة أو متطرفة، مما يعقد التوازن الإقليمي بطرق غير مرغوب فيها بالنسبة لواشنطن وحلفائها.
يواجه خامنئي الآن خيارات قليلة ملائمة، فقبول شروط واشنطن يُهدد بتقويض استراتيجية الردع لدى النظام، بينما يزيد رفضها من احتمالية المواجهة في وقت يعاني فيه النظام من هشاشة داخلية.
وبين ما قد يعتبره الخيار "الأسوأ" الاستسلام الاستراتيجي، و"أفضل الأسوأ"، حرب محدودة ولكن يمكن احتواؤها، يبدو أن طهران، على الأقل علناً، تميل نحو الخيار الأخير.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
إيران تحذر من أي عدوان عسكري على أراضيها وواشنطن تدرس ضربة محدودة لإجبار طهران على الاتفاق النووي
لافروف وعراقجي يتبادلان وجهات النظر حول البرنامج النووي الإيراني
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر