إيران التشبث بالسلطة بأي ثمن

إيران: التشبث بالسلطة بأي ثمن

المغرب اليوم -

إيران التشبث بالسلطة بأي ثمن

أمير طاهري
بقلم - أمير طاهري

بعد أسابيع من التردد والمراوغة، تحت وطأة التهديدات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، والاحتجاجات العارمة التي اجتاحت البلاد، عاد المرشد علي خامنئي، إلى صدارة المشهد مجدداً؛ ليؤكد من جديد عزمه المطلق على عدم تقديم أي تنازلات، سواء لخصومه في الداخل أو لأعدائه في الخارج. وجاءت رسالة التحدي هذه يوم الأربعاء الماضي، تزامناً مع المَسيرات التي نظمها النظام لإحياء ذكرى الثورة الإسلامية عام 1979.

ومما لا شك فيه أن مسيرات هذا العام افتقرت إلى الكثافة البشرية المعهودة، ناهيكم من غياب الحماسة التي ميّزت الأعوام السابقة؛ بل إنها بدت في بعض المدن «مصطنعة» بوضوح يفتقر إلى العفوية. وفي محاولة لتعزيز الرواية الرسمية، لجأت وسائل الإعلام الحكومية في بعض الحالات إلى استخدام صور ومقاطع مرئية من سنوات مضت لإضفاء زخم وهمي على الحدث.

ومع ذلك، لا يكاد يرقى الشك إلى أن خامنئي قد استوعب الصدمات المتعددة للأحداث الأخيرة، وأنه يعتزم المضي قدماً في النهج الذي رسمه لإيران منذ أكثر من 3 عقود. وقد تمثلت رسالته الجوهرية، التي أعاد التأكيد عليها مجدداً الأسبوع الماضي، في أنه لن يكون هناك أي تغيير جذري في سياسات الجمهورية الإيرانية أو سلوكها، سواء على الصعيد المحلي أو في الساحة الدولية. إن هذا التحدي المتجدد من قِبل المرشد يستمد وقوده من 4 استنتاجات رئيسية خلص إليها من واقع الأحداث الأخيرة.

أما الاستنتاج الأول، فهو أن الولايات المتحدة وحليفتها الإقليمية إسرائيل لن يخاطرا بالدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران؛ ولعل ذلك يعود إلى أن عنصر المفاجأة الذي استفادتا منه في يونيو (حزيران) الماضي لم يعد متاحاً الآن.

ويتمثل الاستنتاج الثاني في أن كافة القوى الإقليمية تقريباً تُعارض فكرة «تغيير النظام» في إيران، أقله في الوقت الراهن؛ مما يزيد من صعوبة إقدام الولايات المتحدة على التفكير في عملية عسكرية واسعة النطاق ومنفردة. ويأتي الاستنتاج الثالث، بأن معارضي النظام - رغم تعاظم قواعدهم الشعبية بشكل غير مسبوق - يمتلكون خططاً تفصيلية لما ينبغي فعله «بعد» إسقاط النظام، لكنهم يفتقرون إلى استراتيجية واضحة للوصول إلى سُدة الحكم وتنزيل مآربهم وأهدافهم المنشودة على أرض الواقع.

ويذهب الاستنتاج الرابع إلى أن التهديد الأكثر إلحاحاً للنظام قد ينشأ من مجموعات متباينة من الناقمين المنضوين تحت لواء «جناح الإصلاحيين». ويضم هذا الجناح العديد من كبار المسؤولين السابقين، سياسيين وعسكريين، إلى جانب حشد من الأكاديميين ورموز المجتمع المدني ورجال الدين والمشاهير والكتاب والصحافيين. ويكمن مبعث القلق في الدائرة المقربة من المرشد في احتمالية عقد هذا «الجناح الإصلاحي» صفقة مع إدارة ترمب في واشنطن، لترتيب عملية تغيير مزدوجة على غرار النموذج الفنزويلي؛ تستهدف رأس الهرم مع الإبقاء على هيكل النظام وجذعه قائمَين.

ولقطع الطريق على مثل هذا المخطط، انطلقت قبل أيام حملة ضد الرموز «الإصلاحية» أسفرت عن اعتقال العديد من الناشطين في طهران والأقاليم؛ إذ لم يعد المرشد بحاجة إلى الرواية الإصلاحية لإضفاء قشرة من التعددية على نظامه. فالفصيل الإصلاحي كان مفيداً طالما لم تكن هناك فرصة لتحوله من «معارضة صورية» إلى تهديد حقيقي ووشيك.

ولعل الأهم من ذلك، أن القائمة الرسمية لـ«أصحاب الحظوة» المعتمدة من قِبل «بيت الرهبر» (مكتب المرشد)، قد كشفت بوضوح عمن تم استبقاؤهم كحلفاء موثوقين ومن جرى إقصاؤهم. وقد نشرت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا» هذه القائمة، بوصفها قائمة الشخصيات التي تقدمت مسيرات ذكرى الثورة. وتضم هذه القائمة أسماء ومناصب لـ118 شخصية يعتبرها «بيت الرهبر» النواة الصلبة للفصائل الموالية. ومما يلفت النظر غياب أسماء 3 رؤساء سابقين للجمهورية الإيرانية، و3 قادة سابقين لـ«الحرس الثوري»، ووزيري خارجية سابقين، فضلاً عن 6 من رجال الدين الذين يشغلون مناصب مفصلية شتى.

ويبدو أن المرشد - مُستلهماً على ما أظن شعار لينين «الأقل عدداً هو الأجود نوعاً» - قد عقد العزم على حصر دائرة العمل في مجموعة أكثر تماسكاً من الموالين الذين ينفذون الأوامر بلا مواربة أو تساؤل؛ وذلك ضمن منصة من التحدي الثوري، التي تلطفها بعض الإيماءات الشكلية التي يطلق عليها «المرونة البطولية».

ويبرز المثال الأهم على تلك المرونة في استعداده للإذن باستئناف المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، التي من المتوقع عقد جولتها الثانية قبل حلول العام الإيراني الجديد في 21 مارس (آذار) في إحدى العواصم الإقليمية بالمنطقة. ويحدو طهران الأمل في أن يوافق ترمب على قصر المحادثات على مستويات تخصيب اليورانيوم في إيران، ونقل جزء من المخزونات المخصبة بالفعل إلى روسيا لضمان حفظها.

وقد تمتد هذه المحادثات لأسابيع إن لم تكن شهوراً، لتنتهي بمنح ترمب «نصراً دبلوماسياً» آخر عشية انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة. إن إبطاء وتيرة تخصيب اليورانيوم إلى أن يصبح ترمب «بطة عرجاء» أو تنتهي ولايته، سيمنح المرشد ما يكفي من الوقت لإعادة ترسيخ سلطته، وربما لترتيب مسألة خلافته. وفي غضون ذلك، جرى توزيع بعض «المنح» لتخفيف حدة المرارة التي تسود البلاد في أعقاب القمع الأخير للاحتجاجات العارمة؛ إذ من المقرر أن يتلقى موظفو الحكومة ومنتسبو الأجهزة العسكرية والأمنية أضخم مكافأة للعام الجديد منذ الثورة، كما سيُرفع الحد الأدنى للأجور بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المائة.

وفي يوم الأربعاء الماضي، أُطلق سراح أكثر من 2000 سجين بأوامر من المرشد؛ في خطوةٍ يُعزى جزء منها إلى الحاجة لتوفير مساحات لاستيعاب المعتقلين الجدد الذين سقطوا خلال انتفاضة يناير (كانون الثاني) الماضي. وتمنح موجة التقاعد الجديدة في صفوف «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية الأخرى المرشد فرصة لترقية جيل جديد من الضباط الذين تدرجوا في الرتب العسكرية بالكامل تحت قيادته. ومن المتوقع إحالة كافة القادة الذين يملكون سجلاً ثورياً يعود إلى حقبة الثمانينات إلى التقاعد بحلول العام الإيراني الجديد.

وبحسب بعض التقارير - التي لا تزال عصية على التأكيد - فقد أمر المرشد أيضاً بإعادة هيكلة الإدارة للسماح للكوادر الشابة والأكثر طموحاً بالصعود في نظام يهيمن عليه رجال يبلغ متوسط أعمارهم 65 عاماً، وذلك في بلد لم يولد ثلثا سكانه حين اندلعت الثورة.

وعلاوة على ذلك، أعاد المرشد إحياء مشروعه القديم «تصدير الثورة»، وإنما بنمط هادئ صُمم للإبقاء على الجمر متقداً من دون إطلاق صفارات الإنذار. وتتمثل أولويته القصوى الآن في الدفع بأحد حلفاء إيران الموثوقين إلى سُدة رئاسة الوزراء في العراق، مع تقديم الدعم الكافي للحوثيين في اليمن لتمكين صمودهم في انتظار عودة الأمور إلى سابق نصابها.

أما في لبنان، فيبدو أنه قد تُرِك لقدره في الوقت الراهن، ريثما تنجلي الغُمة، وإن ظل «الحلفاء المخلصون» من كافة الطوائف مدرجين على قوائم الدعم المالي المستمر.

إن الرسالة الناشئة من طهران هذا الأسبوع مفادها أن الأنباء التي ترددت عن زوال رأس النظام لم تكن سوى مبالغات، وأنه عازم على التشبث بالسلطة مهما كلفه الثمن. فهل تنجح هذه المناورة؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران التشبث بالسلطة بأي ثمن إيران التشبث بالسلطة بأي ثمن



GMT 12:11 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

تسعون عاما على «الضيف»

GMT 12:08 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

رندة أبو العزم.. سيدة الشاشة الإخبارية

GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"

GMT 02:28 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

10 إطلالات استوحتها كيت ميدلتون من الأميرة ديانا

GMT 07:27 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

فتاة شابة تحرج الفنان ناصيف زيتون على المسرح

GMT 09:15 2019 الثلاثاء ,09 إبريل / نيسان

حيل بسيطة لجعل ظلال العيون يدوم لساعات طويلة

GMT 05:39 2018 الإثنين ,23 تموز / يوليو

مجموعة من النصائح لتجعل غرفة نومك مشرقة

GMT 15:59 2018 الأحد ,07 كانون الثاني / يناير

الفانيلا وعرق السوس أهم مكونات Le Parfum de Lolita Lempicka

GMT 14:38 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

إدريس لكحل ونزهة غضفة يسبقان فوزي لقجع إلى موسكو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib