حديث الصيف مالك بن نبي و«البديل الحضاري»

حديث الصيف: مالك بن نبي و«البديل الحضاري»

المغرب اليوم -

حديث الصيف مالك بن نبي و«البديل الحضاري»

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

المفكر الجزائري مالك بن نبي خرج في زمنٍ لم يكن لآرائه كبير تأثيرٍ، ولم تحظ أفكاره بمزيد عنايةٍ لدى جماعات الإسلام السياسي التي كان ينظّر لها، ولكنه لاحقاً مثل لهذه الجماعات مخرجاً من مآزقها في حالة الفشل، فحين فشل «التكفير» العنيف و«الصدام» المسلح تمّ تبني أفكاره كـ«بديل حضاري» لدى جماعات الإسلام السياسي.

العودة للماضي القريب لا تعني بحالٍ من الأحوال التخلي عن الواقع أو المستقبل، بل على العكس فهي خير معينٍ على الفهم الذي قد يختصر الكثير من الجهد والمال والسياسات؛ ذلك أنَّ الوعي هو أعظم كنوز صانع القرار، وهو الذي يقود المعلومات والأرقام والإحصائيات؛ لأنَّ فقدان الوعي يعني فقدان بوصلة التاريخ.

لا يجادل عاقلٌ في أهمية فكرة وحركات «الإسلام السياسي» في القرن الأخير من الزمن، ولا يجادل باحثٌ في امتداداتها الزمانية والمكانية، إن على مدى التراث الإسلامي القديم زمانياً وإن على مدى جغرافيا دول العالم الإسلامي مكانياً والعالم بأسره، وإن على مستوى من المستفيد من الفكرة، ومن داعمها الأول، ومن رموزها المؤسسون، ثم ما مفاهيمها المؤسسة، وكيف تطور كل ذلك.

يعلم المتخصصون نتفاً من الإجابة عن هذه الأسئلة، وهي ما زالت بحاجة لمزيدٍ من البحث والتوثيق والبرهنة، وهذا شأنٌ طبيعيٌّ في العلم، بحيث تحتاج الظواهر الكبيرة والاستثنائية والمؤثرة لكثيرٍ من الدرس والبحث والتعمق، وفي تراثنا الإسلامي دلائل كثيرةٌ عند النظر في مسميات الفرق والطوائف والمذاهب، دينياً وعقائدياً وفقهياً وسلوكياً، وظاهرة «الإسلام السياسي» المعاصرة فرعٌ عن ذلك من هذا الجانب.

يرغب الكثيرون في اختصار هذه الظاهرة في مسمياتٍ مشهورةٍ ورموزٍ معروفةٍ مثل حسن البنا مؤسس جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر أو أبو الأعلى المودودي صانع المفاهيم المتطرفة تأثراً بالمدارس الفكرية الغربية أو سيد قطب الأكثر تأثيراً في «صناعة الإرهاب» المعاصر فكراً ومفاهيم وتنظيماتٍ، ويغفل الكثيرون عن رموزٍ وشخصياتٍ لا تقل أثراً عن هؤلاء وإن كانت أقل حدةً وأكثر نعومةً.

سنياً وشيعياً، كانت هناك على الدوام جهاتٌ وأسماء ورموزٌ وخطاباتٌ داعمةٌ للإسلام السياسي، إما لكونها برسم الاستغلال كالمؤسسات الدينية التقليدية، في كثيرٍ من البلدان العربية والإسلامية، مثل الأزهر وغيره، وإما لكونها برسم الاختراق بحيث تحيط بها عناصر «الجماعة» المدربة وتخدمها وتعمل في مكاتبها، سواء أكانت سياسيةً أم دينيةً، وتؤثر على مواقفها وقراراتها وفتاواها.

خطاب «الإسلام السياسي» آيديولوجيا وجماعاتٍ ورموزاً يقوم على استخدام «التناقض» بمعنى أنه يضع دائماً مخارج فكرية أو حركية أو سياسية للتقلب بين الخيارات المطروحة، وقد نظّر العديد من رموزهم لهذه التناقضات ما دامت تخدم الهدف السياسي الأعلى وغاية الاستيلاء على «السلطة».

فكرة «البديل الحضاري» هي فكرة معناها أنه يجب أن يكون لديك دائماً بديلٌ آخر، وفكرةٌ أخرى، ورمزٌ آخر، بحيث إذا فشل أي مشروعٍ أو رمزٍ تكون مستعداً لتقديم بديلٍ له وإن بدا مناقضاً أو مضاداً له، وكذلك في الأفكار والمفاهيم والرموز؛ ذلك أن هذه الجماعات هي جماعاتٌ سياسيةٌ في الأصل، تستخدم الدين لتحقيق أهدافها، ولا مانع لديها من تبني المتناقضات.

كتب صلاح الصاوي مرةً في كتابه «الثوابت والمتغيرات» ينظّر لتبني المتناقضات من قبل هذه الجماعات فيقول: «ولا يبعد القول بأن مصلحة العمل الإسلامي قد تقتضي أن يقوم فريق من رجاله ببعض هذه الأعمال الجهادية ويظهر النكير عليها آخرون، ولا يبعد تحقيق ذلك عملياً إذا بلغ العمل الإسلامي مرحلة من الرشد».

وقد حرصت الجماعة قديماً على وضع مسافةٍ بينها وبين سيد قطب، فكتب المرشد الثاني حسن الهضيبي في كتابه «دعاةٌ لا قضاة» ليتبرأ من أفكار سيد قطب الحادة والمتطرفة، ولكنه ناقض ذلك كليةً عندما قال لزينب الغزالي حين سألته: «على بركة الله إن هذا الكتاب حصر أملي كله في سيد... إن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة».

والباحث المجدّ يعلم جيداً حجم التأثير المتبادل بين نسختي الإسلام السياسي سنياً وشيعياً، وجماعات الإسلام السياسي السني تتبع هنا «مبدأ التقية» الشيعي كما استفاد الإسلام السياسي الشيعي من الإسلام السياسي السنيّ مبدأ «تسنين التشيع» الذي أوضحه بجلاء المفكر المغربي المعروف عبد الله العروي في كتابه الجميل «السنة والإصلاح».

أخيراً، فعلى المستوى العام تبنت هذه الجماعات طرحاً حضارياً مختلفاً سنياً وشيعياً، سنياً لدى الكاتب الجزائري مالك بن نبي، وشيعياً لدى الكاتب الإيراني «علي شريعتي» وكلاهما خسرا تأثيرهما لصالح المتطرفين من الجانبين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حديث الصيف مالك بن نبي و«البديل الحضاري» حديث الصيف مالك بن نبي و«البديل الحضاري»



GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

GMT 08:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

GMT 08:13 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

سعيد السريحي وتلك الأيام

GMT 08:06 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التّعافي الممنوع

GMT 08:02 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

إيران: التشبث بالسلطة بأي ثمن

GMT 07:55 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 بين جيلين

GMT 15:41 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

ما يهم الناس في الموضوع

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم
المغرب اليوم - محمد صلاح يسطر 20 رقمًا قياسيًا في تاريخ ليفربول

GMT 22:43 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك
المغرب اليوم - 10 عادات يومية قد تسلبك معظم سعادتك

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"

GMT 02:28 2019 الثلاثاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

10 إطلالات استوحتها كيت ميدلتون من الأميرة ديانا

GMT 07:27 2019 الخميس ,20 حزيران / يونيو

فتاة شابة تحرج الفنان ناصيف زيتون على المسرح
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib