بقلم - عبد المنعم سعيد
قبل سنوات ومع إطلاق سلسلة مؤتمرات المناخ حتى بلغت COP 30 فإن تعبير «الاحتباس الحرارى» كان مسيطرا على النقاش العالمى فى القضايا الكبرى. لم يكن هناك ما ينقض القضية لأن درجات الحرارة ارتفعت وبقيت على ارتفاعها وبات القطب الشمالى فى حالة سيولة ومن كثرتها تغيرت الأوضاع «الجيوسياسية» فى القطب كما لو كانت تتأهب لوجود الرئيس دونالد ترامب فى البيت الأبيض. ما كان نوعا من الهذر الانتخابى أو ما بعد نصرة الفوز فى الانتخابات الرئاسية، أصبح واقعا أن الرئيس يريد بالفعل الحصول على «جرين لاند» بالسلاح أو بالشراء. الموضوع سبقه الإعلان عن استعادة «مبدأ مونرو» فى الهيمنة على النطاق الغربى الذى يشمل الأمريكتين الشمالية بما فيها كندا، والجنوبية بما فيها المكسيك وكوبا حتى مضيق ماجلان بالقرب من القطب الجنوبي؛ ولحقه فعلا سلسلة من الحصول على فنزويلا ؛ والاشتباك مع الدول الأوروبية وظهور الشروخ فى حلف الأطلنطى. أصبحت الملفات كثيرة شرقا وغربا وكلها تبث سموما ساخنة ليست فى مصلحة «التحالف الغربى» الذى كان واحدا من أهم عمليات التوازن الدولى. العلاقة بين الولايات المتحدة وأوكرانيا اقتربت من التسليم لروسيا بضم الأراضى الأوكرانية. الطقس الدولى لم يكن فقط ساخنا، بل أنه بات ملوثا بالكثير من الحرائق والدخان الكثيف الذى يخنق الأمم المتحدة والقانون الدولى.
مؤتمر ميونيخ للأمن الدولى أفرز الكثير مما يعكس حالة الانقسام على الجبهة الغربية؛ وعبر سلسلة من مداخلات رئيس وزراء كندا «مارك كامى» الذى فجر قنبلة أنه بات من غير الممكن الاعتماد على الولايات المتحدة فى الأمن والاقتصاد، وأنه على الدول «المتوسطة» مثل كندا أن تبحث عن مسار آخر.
خلال الأيام التالية كانت هناك الكثير من المبادرات التى دفعت القيادة الكندية، ثم القيادات الأوروبية، إلى الاتصال بالهند والصين فى تلميح أنها يمكن لأسواقها أن تكون بديلا للسوق الأمريكية الواسعة. أوروبا باتت تشعر بضرورة الاعتماد على نفسها سواء كان ذلك يعنى زيادة ميزانية الدفاع، وهذا حدث بالفعل من قبل الدول الأوروبية؛ أو أن ذلك يعنى التعاون فيما بينها خاصة بين الدول الرئيسية بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وهو ما حدث أيضا بالفعل من خلال اتفاقيات ثنائية.
الإعلان الألمانى عن سعيها نحو تسليح متقدم على جميع الدول الأوروبية أعاد إلى الذاكرة ذكريات ما قبل الحروب العالمية؛ وعندما تحدث الرئيس الفرنسى ماكرون فإن حديثه عبر عن ثقة دولة نووية تعرف الكثير عن التدمير الشامل. أصبح الاحتباس الحرارى لا يقتصر على الجبهة الروسية الأوكرانية وإنما يمتد إلى عموم القارة «العجوز» التى ترغب فى العودة إلى شبابها مرة أخرى.
الواقع أن الاحتباس بات قاسيا على الجبهة الأوكرانية التى حرصت روسيا فيها أن تبقى الجبهة ساخنة كلما بدأت مباحثات السلام دونما وقف لإطلاق النار أو إعلان عن هدنة أو تعهدات بالحديث عن القانون الدولى. روسيا لم تترك فرصة دونما التلميح بأن دول البلقان الثلاث قد باتوا نوعا من القواعد العسكرية لحلف الأطلنطى الذى كان توسعه هو السبب الرئيسى للغزوة الروسية. يتبع الثلاثاء.