التطرف وباء «القرية الكونية»

التطرف وباء «القرية الكونية»

المغرب اليوم -

التطرف وباء «القرية الكونية»

غسان شربل
بقلم : غسان شربل

لم تعدِ الحروب تدور على مسارحها المباشرة فقط. منحتها وسائل التواصل فرصة التسلل إلى أماكنَ بعيدة. يكفي أن يلتفت شخص إلى هاتفه في قارة بعيدة ليتابع مجريات مجزرة تدور على بعد آلاف الكيلومترات. ولم تعد الكراهيات أسيرة منابع تفجرها الأصلية. يمكنها الانتقال سريعاً إلى من هو مستعد لتلقيها في أماكن قصية. وهكذا بات العالم ينقسم سريعاً حول أحداث كان في السابق لا يستطيع مشاهدتها مباشرة ولا يعتبر نفسه معنياً بأهوالها.

بالصوت والصورة يستطيع سكان «القرية الكونية» متابعة الكشف عن مقبرة جماعية، خلّفها نظامٌ مستبد. في السابق كان الأمر يقتصر على إهالة التراب على مكان الجريمة. أو يقتصر الأمر على خبر في صحيفة محلية. ولم يكن من شأن التوتر الذي يثيره المشهد أن يسافر ويعبر الحدود ويقيم في مشاعر بعيدين وذاكرتهم.

ولا نضيف جديداً إن قلنا إن العالم الذي شهد في العقود الأخيرة ثورات علمية وتكنولوجية متلاحقة ضاعفت قدرات الإنسان، لم يشهد في موازاة ذلك تقدماً إنسانياً حاسماً في كبح الكراهيات وشهوات القتل والإلغاء.

التطرف وباء أخطر من كل الأوبئة التي شهدها العالم. عدد ضحاياه يفوق عدد ضحاياها. والتطرف ليس حكراً على فئة أو لون أو معتقد. ويمكن أن يبلغ التطرف حدّه الأقصى حين يتحوّل رغبة عارمة في شطب الآخر لأنه مختلف، أو يقرأ في كتاب آخر أو يشرب من ينابيع غير مشابهة.

حاول العالم محاصرة هذا الوباء. أنشأ المحاكم ومنظمات تسوية النزاعات وشدّد على الاحتكام إلى القانون. لكن على رغم هذه الجهود راح التطرف يتوكأ على نزاعات مزمنة أو ظلم قديم. انطلق أيضاً من أزمات هوية أو خوف على الوجود واللون. وربما يشير ذلك إلى شيء من الفشل في نهوض التعليم نفسه بإنسانية الإنسان بالقدر الكافي، ويشير أيضاً إلى غياب ثورة ثقافية شاملة تحرم قتل الأبرياء واستباحة دمهم.

انشغل العالم أمس بمجريات الهجوم الإرهابي الذي وقع في سيدني. كان استهداف مدنيين تجمعوا في مناسبة دينية يهودية عملاً مروعاً. شاهد الناس في أماكن قريبة وبعيدة الجثث المتناثرة وذعر الفارين.

لا يمكن فصل ما جرى في سيدني عن مشاعر الغضب التي تراكمت بفعل الممارسات الوحشية للجيش الإسرائيلي في أعقاب اندلاع «طوفان الأقصى». شاهد الناس عمليات قتل بلا حدود وعمليات فتك غير مسبوقة. عشرات آلاف القتلى. وطائرات تعمم الخراب وتدفع جموعاً بشرية إلى العراء والخيام. كانت المشاهد اليومية قاسية وصادمة ومثيرة للمرارة والاحتقان. لكن قول ذلك لا يعني أبداً أي تبرير لاستهداف مدنيين وقتلهم بطريقة وحشية.

ضاعف توقيت العمل الإرهابي في سيدني من خطورته. جاء في وقت ينتظر فيه أهل الشرق الأوسط أن يستقبل دونالد ترمب قبل نهاية الشهر الحالي بنيامين نتنياهو. يراهنون على أن يتمكن سيد البيت الأبيض من إقناع الزائر أو إرغامه على تسهيل الانتقال نحو المرحلة الثانية من الاتفاق الذي أوقف الحرب في غزة.

جاء الهجوم أيضاً بعد أسابيع من يقظة دولية واسعة ترجمت باعتراف شبه جماعي بدولة فلسطين ما شكل نجاحاً دبلوماسياً غير مسبوق يعد بتسوية النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني على قاعدة حل الدولتين. تقدمت دول كثيرة وبينها أستراليا نفسها خطوة إلى الأمام، واعتبرت أن لا مخرج من النزاع الطويل والمرير غير الإقرار بحق الفلسطينيين في العيش في دولة مستقلة.

وجاء الهجوم في وقت استيقظت فيه دول وهيئات ومنظمات من غيبوبة أو غياب ورفضت تصديق صورة إسرائيل الضحية بعدما تبين حجم الظلم اللاحق بالشعب الفلسطيني.

أخطر ما في الهجوم هو مساهمته في إعادة الكلام عن الممارسات المعادية للسامية. ومساهمته أيضاً في مساعدة حكومة نتنياهو على العودة إلى لبس ثياب الضحية، والقول إن إسرائيل وحدها هي الملاذ الآمن لليهود المستهدفين في بقاع العالم. ولحكومة نتنياهو تاريخ من البراعة في استغلال أي حدث من هذا النوع. وخير دليل مسارعة مسؤولين إسرائيليين إلى الربط بين ما جرى في سيدني واعتراف الحكومة الأسترالية بدولة فلسطين.

التطرف كامن وحاضر ويستعد دائماً للانقضاض. قبل يوم واحد من هجوم سيدني شهدت تدمر السورية هجوماً بالغ الدلالات استهدف عسكريين أميركيين وسوريين. أعاد الهجوم التذكير بأن تنظيم «داعش» انحسر لكنه لم يمت. «داعش» أو ما يشبهه ويغرف من قاموسه. ولفت الحادث إلى أن عملية بناء سوريا الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع لن تكون رحلة سهلة على الإطلاق، وأنها ستشهد بالتأكيد مواجهات قاسية مع متطرفين ومع الفكر المتطرف.

منذ عقود يدفع الشرق الأوسط ثمن الظلم الفادح وممارسات الشطب والإلغاء والإقصاء. أضاعت دوله وشعوبه عقوداً من عمرها. أضاعت فرص التقدم والبناء والالتحاق بالعصر. لا حل للخروج من لعبة الظلم والتطرف والقتل غير الإصرار على التقدم نحو السلام العادل. لا خيار غير بناء دولة القانون والمؤسسات واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان وكرامته. ولا خيار غير محاصرة فكر التطرف ورفض أي تبرير لسلوكه ووحشيته. اتكأ التطرف طويلاً على حالات الظلم وتغطى بها لتبرير وجوده واستمراره وانتشاره. استئصال التطرف يبدأ بإزالة الظلم اللاحق بشعوب ومجموعات وأفراد. لا يبنى السلام إلا على العدالة والمساواة أمام القانون.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التطرف وباء «القرية الكونية» التطرف وباء «القرية الكونية»



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 02:09 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
المغرب اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib