السلاح الطائش هاجس السودان

السلاح الطائش... هاجس السودان

المغرب اليوم -

السلاح الطائش هاجس السودان

عثمان ميرغني
بقلم: عثمان ميرغني

عاد ملف انتشار السلاح إلى الواجهة في السودان، عقب مقتل شخصين وجرح اثنين آخرين بالرصاص في مدخل مستشفى مدينة عطبرة، إثر مشادة بين رجلين ومجموعة تتبع لإحدى الحركات المسلحة.

وعلى الرغم من أن السلطات سعت للتهدئة ووصفت الحادث بأنه عرضي ولا يحمل أبعاداً سياسية أو عسكرية، فإنه أثار قلقاً واسعاً وغضباً شديداً بين الناس. هذا الغضب جعل أيضاً «القوة المشتركة» للحركات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش، تسارع إلى إصدار بيان تنفي فيه أي صلة لها بالحادث «لا من قريب، ولا من بعيد». لكن هذه البيانات لم تكن كافية لطمأنة الناس أو امتصاص غضبهم وقلقهم. فالحادث ليس الأول ولن يكون الأخير، كما وصفته شبكة أطباء السودان.

قبل يومين من حادثة عطبرة تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي في السودان أنباء أخرى عن حالة من الذعر والفوضى عمت مستشفى بشائر جنوب الخرطوم بعد أن هدد مجند يتبع للقوات المشتركة، قيل إنه ينتمي لحركة مني أركو مناوي حاكم إقليم دارفور، بتفجير المكان إثر وفاة أحد زملائه المصابين قبل علاجه.

ترافق ذلك مع توتر وهلع في منطقة الصالحة جنوب أم درمان بعد سماع أصوات إطلاق نار وإخلاء المدارس في المنطقة، مع انتشار كثيف للقوات التابعة للجنة ضبط الأمن في العاصمة. وسارعت السلطات إلى التوضيح بأنها كانت تنفذ حملة تستهدف ضبط بؤر الإجرام، ومكافحة السكن العشوائي، والوجود الأجنبي غير القانوني.

انتشار السلاح في السودان في ظل الحرب الراهنة يشكل قنبلة موقوتة تهدد الأمن القومي ووحدة البلاد ومستقبلها السياسي والاجتماعي.

فالمشكلة لا تقتصر على الحركات المسلحة التي تزايدت بشكل مخيف، بل تمتد إلى السلاح المنتشر بين المدنيين والعصابات الإجرامية، مما يجعل السيطرة الأمنية شبه مستحيلة، ويجعل حياة المواطنين اليومية رهينة للخوف والشك والصدفة.

ورغم توجيهات قيادة الجيش بإخلاء العاصمة من المظاهر المسلحة، فإن الالتزام ظل جزئياً، وبقيت مجموعات من الحركات داخل الخرطوم والمدن الكبرى يراهم الناس بسلاحهم في الشوارع، وفي بيوت داخل الأحياء السكنية.

ومع اتساع رقعة الحرب، تفاقمت شكاوى المواطنين من التفلتات الأمنية والانتهاكات، ومن مظاهر الاستقواء بالسلاح في الشوارع والأسواق والمستشفيات، وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي، ويعمق الانقسامات، ويقوض مساعي بسط الأمن.

المعالجة لا تحتمل التأجيل. فالحل يكمن في مشروع وطني عاجل لنزع السلاح وإعادة الدمج بشكل عاجل ووفقاً للضوابط، عبر التعجيل بتنفيذ بنود اتفاقية جوبا للسلام المتعلقة بالترتيبات الأمنية. وإذا كانت الحركات الموقعة حرصت على التمسك بحصصها في السلطة، فالواجب أيضاً إلزامها بتنفيذ الشق المتعلق بالترتيبات الأمنية والدمج. كما أن جمع السلاح وتوحيده بشكل كامل تحت راية الجيش، يجب أن يشمل كل الحركات المسلحة الجديد منها والقديم، حتى لا تتحول البلاد إلى جزر من النفوذ المنفلت، أو ساحة تغيب فيها مظاهر الأمن.

كلما طال أمد الحرب، تعمق انتشار السلاح، وصعُب جمعه بعد انتهائها، مما ينذر بدورات جديدة من العنف والفوضى. لقد كانت عواقب التلكؤ في تنفيذ البنود الأمنية في اتفاقية جوبا وخيمة، مثلما أن عدم التصدي لحلحلة عقدة «قوات الدعم السريع»، قادنا، ضمن عوامل أخرى، إلى ما نحن فيه الآن. والواقع أن أي تأخير جديد في معالجة ملف السلاح، سيجعل تكلفته أعلى لاحقاً، ويجعل إعادة بناء مؤسسات الدولة أكثر تعقيداً.

لنتعلم من تاريخنا، وتجارب العديد من الدول الأخرى، أنه لا استقرار في دولة ينتشر فيها السلاح خارج سيطرة الدولة. فحين يتعدد حاملو السلاح، تتعدد مراكز القوة، وتتبخر هيبة الدولة، وتصبح البندقية وسيلة لحسم الخلافات والمنافسة على النفوذ والثروة. والأسوأ من ذلك أن تنشأ أجيال جديدة على مفهوم تطبيع العنف، فترى فيه وسيلة طبيعية للحياة، مما يهدد مستقبل البلاد، ويفقد الشباب الإيمان بالمدنية والقانون.

إن السلاح المتفلّت لا يقتل الأفراد فقط، بل يقتل فكرة الدولة ذاتها. فحين تتراجع سلطة القانون، وتختفي الحدود بين المقاتل والمجرم، يصبح الأمن مجرد وهم، وتتحول المدن إلى ساحات مفتوحة للابتزاز والخوف.

ولهذا فإن أي مشروع لبناء السلام والاستقرار، لا بد أن يبدأ من فرض احتكار الدولة للسلاح.

لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لسياسات «شراء السلام» بالترضيات والمكافآت بالمناصب، وهذا النهج الفاشل والمدمر لا يمكن أن يستمر.

تجربة الحرب الراهنة المدمرة، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أن السلاح ينبغي أن يكون بيد الدولة وحدها، وتحت سيطرتها الكاملة. والمرحلة المقبلة تتطلب بناء جيش وطني كبير وموحد، قوي ومهني، يحمي البلد من الأخطار التي اتضح أنها يمكن أن تأتي من أطراف كثيرة في الداخل، وعبر الحدود.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السلاح الطائش هاجس السودان السلاح الطائش هاجس السودان



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib