إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة

إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة

المغرب اليوم -

إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

 

في سنة 1947 بعد قرار بريطانيا الرحيل عن فلسطين التي كانت تحت وصايتها، بدأت منظمة الأمم المتحدة تدرس مستقبل الأرض الفلسطينية. تقسيمها بين الفلسطينيين واليهود كان المشروع الذي جرى تداوله بين أعضاء المنظمة الدولية. الاتحاد السوفياتي أعلن مبكراً تأييده مشروع التقسيم. الولايات المتحدة الأميركية شهدت انقساماً في دائرتها السياسية العليا حول مشروع التقسيم. وزير الخارجية جورج مارشال، لم يكن متحمساً للمشروع، بل عارضه. تحدث مع الرئيس الأميركي هاري ترومان، الذي تولى الرئاسة بعد وفاة الرئيس فرانكلين روزفلت، حيث كان ترومان نائباً له. قال جورج مارشال للرئيس ترومان، إن اليهود غير قادرين على إقامة دولة، فهم جمع من الناس كانوا مشتتين لقرون طويلة في عشرات البلدان، وليس هناك ما يجمعهم سوى شذرات من ذكريات تاريخية وأساطير دينية قديمة، ولا يملكون القدرات السياسية والموارد الاقتصادية، التي تؤهلهم لتأسيس كيان قادر على الحياة وسط ملايين العرب والمسلمين والمسيحيين، الذين يعتقدون أن هذه الأرض هي مكان مقدس لهم جميعاً، وسوف يزحفون على الكيان اليهودي الوليد. وأضاف جورج مارشال في حديثه مع الرئيس ترومان، صحيح أن لليهود قدرات عسكرية، تفوق ما لدى كل العرب، لكن المواجهة بين الطرفين ستستمر طويلاً. لم يتخذ الرئيس ترومان قراراً سريعاً، وقد كانت له آراء سلبية، بل عنيفة حيال اليهود، حتى إن البعض وصفه بأنه معادٍ للسامية. في النهاية قرر الرئيس دعم مشروع قرار الأمم المتحدة رقم 181 بتقسيم فلسطين. ما هو المبرر أو السبب الذي دفع الرئيس ترومان لتأييد مشروع القرار بعد تردده؟ كتب بعض الصحافيين أن ذلك كان لدوافع انتخابية، حيث كانت لليهود فاعلية سياسية وإعلامية كبيرة في الانتخابات الرئاسية الأميركية. الرئيس ترومان أكَّد بعد ذلك أن دافعه لتأييد إقامة دولة يهودية كان تأثره منذ طفولته بما قرأه في العهدين القديم والجديد، عن اليهود وأرضهم التي وعدهم الله بها. في اليوم الخامس من شهر مايو (أيار) 1948 قرأ ديفيد بن غوريون، ما أسماه وثيقة الاستقلال. رفضت الدول العربية المستقلة آنذاك قرار التقسيم، وتقدمت جيوش خمس دول عربية نحو فلسطين. خسر العرب المعركة التي لم تستمر طويلاً، وجرى توقيع هدنة في رودس بين إسرائيل، ومصر، ولبنان، والأردن وسوريا بشكل منفصل.

ديفيد بن غوريون الذي تولى رئاسة الحكومة الأولى في إسرائيل، كان يكرر في كل خطبه أن العرب والمسلمين يعدّون هذه الأرض لهم وليست لنا، وأننا قد اغتصبناها منهم بالقوة، ولن ينسوها أبداً، وعلينا أن نعد أنفسنا لحرب طويلة لن تتوقف.

اليهود في إسرائيل يسكنهم قلق وجودي مزمن، وتتحرك في داخل كل واحد منهم قشعريرة تكوينية مرعبة. كلمات كبيرهم الذي قاد معارك إقامة كيانهم، وقرأ وثيقة ما أسماه الاستقلال، ديفيد بن غوريون لا تسفيها رياح السنين. بعد 77 سنة من قيام دولة إسرائيل، لا تزال تخوض معركتها الأولى، والقضية الفلسطينية طازجة وكأنها بدأت منذ أيام. قالت غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل السابقة: لا يوجد شيء اسمه فلسطين، ولا شعب اسمه الشعب الفلسطيني، لكن أربعة أخماس دول العالم، تعترف اليوم بالشعب الفلسطيني وبدولته التي لا مندوحة من إقامتها.

مغامرات رئيس الوزراء الإسرائيلي، ومعه مجموعة من المتسابقين على رفع درجات التطرف، هي تعبير عن جغرافية الوقت القلق، وحمولة الهواجس المرعبة، التي كدستها جبال الجمر التاريخية في ذاكرة العقل اليهودي عبر القرون ومربعات الغيتو. إسرائيل تمتلك اليوم قدرات عسكرية ومالية وعلمية، ودعماً أميركياً عسكرياً وسياسياً لا يتوقف، لكن المتغيرات الإقليمية والدولية، تتسارع بشكل غير مسبوق. الدول الإسلامية اندفعت في المسار السياسي بقوة. تركيا وباكستان وإندونيسيا لها حضور فاعل في حلبة المبادرات الفاعلة للقضية الفلسطينية. القدرات العسكرية لكل الأطراف تتطور، وهي معطيات متحركة، وقد أصبحت دول عربية وإسلامية تمتلك قدرات عسكرية هائلة ومتطورة.

شهدت المنطقة كلها تغييرات درامية في خريطة التحالفات والعداوات. إيران التي كانت في الماضي حليفاً لإسرائيل صارت عدواً مبيناً لها.

اليمين الإسرائيلي المتطرف الحاكم، لا يقرّ بأن هناك قضية فلسطينية. يرفض حل الدولة الواحدة وحل الدولتين، والمستوطنون الإسرائيليون يواصلون قضم أراضي الضفة الغربية يومياً، حتى صارت الضفة كلها مثل جلد النمر.

آيديولوجيا التطرف العنيف، وقودها عواصف الرعب المزمن، الذي يتحول معملاً لإنتاج العداء المستمر. التطرف العنيف يجعل من البشر أعداء لأنفسهم، يخرّبون بيوتهم بأيديهم. المبادرة العربية التي أجمع عليها العرب في قمة بيروت سنة 2002 ورفضتها إسرائيل، كانت البوابة التاريخية لحل واقعي في المنطقة. العالم كله يتحرك اليوم بسرعة لم يشهدها من قبل. معادلات القوة تتغير، وعي إنساني يعمّ العالم. ملايين البشر خرجوا في أرجاء الدنيا تضامناً مع الشعب الفلسطيني، وهم يرون إبادة الشعب الفلسطيني في غزة. قادة إسرائيل تدينهم المحاكم الدولية، والأمم المتحدة التي اعترفت يوماً بقيام دولة إسرائيل تؤيد اليوم إقامة دولة فلسطينية. الرعب حطب الصراع المزمن ومقبرة السلام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة إسرائيل في حلقات الرعب المزمنة



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib